الجيش العراقي في نكبة فلسطين 1948: جنين بين البطولة و”قيود السياسة”..




دخل الجيش العراقي الحرب رسميًا بعد قرار الحكومة العراقية في نيسان 1948، إثر سقوط حيفا، وعبرت قواته نهر الأردن في 15 أيار بقيادة اللواء الركن نور الدين محمود، ضمن قوة توسعت لاحقًا إلى نحو 18 ألف جندي، ليصبح العراق من أكثر الجيوش العربية ثباتًا في الميدان، ومن الدولة العربية الوحيدة التي لم توقّع هدنة مباشرة مع إسرائيل.

تُعد معركة جنين (31 أيار – 4 حزيران 1948) أبرز إنجازات الجيش العراقي، إذ تمكن بقيادة المقدم الركن عمر علي، وبمساندة المتطوعين الفلسطينيين والمقاومة المحلية، من استعادة المدينة بعد احتلالها من القوات الإسرائيلية، وإلحاق خسائر كبيرة بها، مما جعل جنين المدينة الفلسطينية الوحيدة تقريبًا التي احتُلّت ثم استعيدت بالقوة في تلك الحرب. وقد أسهم هذا الانتصار في تعطيل المشروع الإسرائيلي للسيطرة المبكرة على الضفة الغربية لمدة تقارب 19 عامًا حتى 1967.
اللواء محمود شيت خطاب، الذي كان ضابط ركن ميدانيًا في جنين، وثّق هذه التجربة في كتاباته، مشيدًا بشجاعة الفلسطينيين الذين نظّمهم الجيش العراقي في أفواج قتالية مثل فوج صلاح الدين وفوج خالد بن الوليد، مؤكدًا أنهم أظهروا انضباطًا وتضحية عالية. كما تولى خطاب منصب الحاكم العسكري لجنين فترة من الزمن، ما أتاح له الاحتكاك المباشر بأهلها والنازحين إليها.

ورغم النجاح العسكري العراقي في الشمال الفلسطيني، اصطدمت العمليات بعوامل سياسية واستراتيجية معقدة، أبرزها ضعف التنسيق العربي، نقص التسليح، والضغوط البريطانية على الحكومة العراقية الملكية، إضافة إلى أوامر التوقف الشهيرة التي اختُزلت شعبيًا بعبارة “ماكو أوامر”، والتي منعت القوات العراقية من استثمار انتصاراتها والتقدم نحو الساحل الفلسطيني. وقد كشفت التحقيقات البرلمانية العراقية لاحقًا أن الجيش كان قادرًا ميدانيًا على تحقيق مكاسب أوسع لولا القيود السياسية.
أصبحت حرب فلسطين 1948 محطة مفصلية في وعي الضباط العراقيين، إذ رسخت لديهم شعورًا بأن الإنجازات العسكرية أُجهضت سياسيًا، وهو ما ساهم لاحقًا في تنامي المعارضة للنظام الملكي وظهور تنظيم الضباط الأحرار الذين قادوا ثورة 14 تموز 1958. وهكذا، ارتبطت “ماكو أوامر” في العراق بما يشبه أثر “الأسلحة الفاسدة” في مصر، باعتبارهما رمزين لفشل الأنظمة السياسية في دعم الجيوش.

برز في هذه الحرب عدد من الضباط العراقيين الذين أصبحوا لاحقًا شخصيات محورية في تاريخ العراق، منهم عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، ناظم الطبقجلي، ومحمود شيت خطاب، الذي تحول فيما بعد إلى أحد أهم المنظرين العسكريين العرب في مجالات العقيدة القتالية والقيادة الإسلامية.






