أدبالوطن العربي

تداخل “الأجناس” في رواية د. حسام درويش..

     رواية ” حارة المغاربة” ليست تاريخاً نوعياً أو استحضاراً لفترة زمنية محددة، لكنّها طريقة ممنهجة في التفكير، ونسقٌ معرفي مبنيّ على الوقائع، تسعى الرواية من خلالها إلى فهم هذا التاريخ، واستكناه أسباب ظواهره الاجتماعية، والتنبؤ بها وفقًا لملاحظات غير متحيزة، ورصداً لتجارب إنسانية موضوعية تُجادل بها أحداثاً تاريخية بغية استكشاف آليات عملها وقوانينها الأساسية٠ ولعل الأكثر إثارة للاهتمام في الرواية هو أنها لا تنتهي ابدًا، إذ يؤدي كلُّ كشف عن الحوادث التي حصلت أثناء سقوط الأندلس إلى طرح كثيرٍ من الأسئلة والألغاز الجديدة، وإلى شيء آخر يحتاج مزيداً من الفهم. وتلك هي الحالة التي يُعبَّرُ عنها بالمقولة الشائعة: “كلما عرفنا أكثر ، عرفنا أننا لا نعرف شيئًا على الإطلاق “!

      إنَّ وضع العمل الروائي في خانة الجنس الأدبي أو ما إلى ذلك، مسألة مطروحة في التداخل بين الأجناس. وكذلك يحدث التداخل بين السيرة والرواية، أي أن الروائي عندما يكتب عن الآخرين فهو يكتب عن نفسه، لأنه يستوحي عوالم الكتابة من تزاوج حميم بين الذات والتاريخ، كما هو نص رواية “حي المغاربة”٠

      ولقد أثار حسام د. حسام درويش هذا الموضوع من زوايته، ذاكراً أن التاريخ العربي في الأندلس طالما عانى من غربة قاتلة٠وفي هذه الرواية يتقمصّ المكان دور الشّخصيّة المحوريّة، ( قرطبة – 1236

هل انتهيت من حزم الحقائب ؟

نعم٠٠ ويالتتني لم انتِه بعد٠٠ من الصعب تخيل الهجرة من أجمل مدن العالم واستبدالها ب صحيح ! لم تقل لي أين الهجرة ص64)٠

    لا يغدو مستوى الفضاء الروائي هو من يتحكم في عملية الكتابة وحسب، بل يصير مصدرَ إلهام، ( غرناطة ‐ 1492 ‐ أصوات المنجنيق ولهيب في كل مكان٠٠ المدينة محاصرة والشوارع تضج بالعباد٠٠ أهل غرناطة يعملون، إنها آخر أيامهم في ديار الأندلس ص89)٠

    وفي هذا المضمار يستحضر الروائي أمكنة المدينة ” تطوان” – 1530 علامات للتذكر، ( ‐ حمداً للهِ على سلامتك مولاتي، اشتاقت إليك تطوان٠

الحمد لله الذي سلَّمنا وأعادنا غانمين. لقد صار البحر موطنًا لي، يعز عليَّ كما تعز عليَّ تطوان، تطوان بلد الرباط ص75)٠

     ما يميز كل نتاج روائي ديمومته، جراء الحاجة الدائمة في مجموعة القيم والمعاني والرموز التي ينطوي عليها، باعتبارها خلاّقة تلبي انفعالات الحكاية لتؤلف جزءاً من تاريخ الثقافة العربية الأسلامية،( ‐ رحم الله أجدادنا وفاتحينا ٠٠ فتح العرب المغرب، ودخل البربر الإسلام، فصرنا إخوانًا ، وفتحنا الأندلس، وانتشرت العربية ص62)٠

     ستتداعى ذكريات للتاريخ ( أبو رنا) شخصية روائية تتحدث عن ( ‐ اسمه الصنج بالعربية، وهو آلة إيقاعية فينيقية الأصل، ومشهورة هذا الأيام بين الغجر وراقصي الفلامنكو في اسبانيا ص103)٠

      بظهور غير مفاجئ للعائلات المقدسية الثلاث في أهم منعطف في الرواية، استطاعت الخروج من أزمتها والتفكير في المستقبل، فتتحرر من رؤيتها السوداوية، وتسترجع ثقتها بنفسها،( ‐ نعم، دعونا نأخذ عدة أيام لنرتب أمورنا ونجد مكانًا جديدًا نبيت فيه بصورة دائمة ص122)٠

   عادة ما تُحدَّد الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، وذلك في الجوهر المشترك من السمات، والقسمات العامة التي تميز هذه الأمة من غيرها من الأمم التي تجعل للشخصية المحلية أو القومية أو الأممية طابعاً يتميز به عن الشخصيات العادية٠

     نستنج مما سبق أن الروائي حاولَ أن يخوض عالم الكتابة الروائية التاريخية التي تصب في منحى إشكالي في الرواية العربية، ويتعلق بالرواية النفسية، حيث انتخب المكان شخصية الرواية” الرئيسة” لجملة من الاعتبارات أبرزها: أنه شخصية شديدة التعقيد التاريخي، وغالبًا ما تتضمن هذه الشخصية ألغازًا أو أسرارًا يتم كشفها في سياق الرواية عبر التداعي النفسي.

مقالات ذات صلة