تحقيق

 (27) نقش في الحجر: “أطول يوم في التاريخ”.. مع “صادق الصائغ”!!..

    هناك.. في ركنٍ يحتل مقدمة زقاق يربط “السعدون” بـ”أبي نؤاس”.. “شارع الأحلام”، وحيث سينما “السندباد” تدعونا لمشاهدة فيلم مع بعض مساءات متأخرة، تكمن ذكريات أجواء لا تُنسى  عن مرحلة مميزة يعرفها العراقيون في زمن مسكون بحكايات تُقلِّبُها “استكانات” “شاي أسود” أو “حامض” ساخنَين، يبثان دفءاً أكبر بين من يصنعون سعادتهم فوق أرائك خشبية صلدة حد القسوة أحيانا. كان المقهى عندما يتواصل الظلام، مفترق طرق الى البيوت أو أماكن أثيرة تكمل سهرات لا ترتبط بساعات محددة من ليل بغداد الذي نجعله طويلاً أحيانا بقرار تتحكم به جيوبنا، وأُلفتنا ايضاً.  .

 كان نهاراً مشرقاً من ربيع 1970، عندما حملني المصعد الى طابق أجهل الآن تسلسله داخل عمارة “جميل حافظ” في شارع الرشيد ببغداد. مسارٌ منكّهٌ بذكريات أليفة صارت جزءاً مني. سأرويها بعد سنين على الموسيقي الكبير منذر جميل حافظ (شقيق الأديبة سافرة، والتشكيلية حياة)، عندما يصبح صديقاً مقرباً ومصدراً مهماً بعد اشتغالي في مجلة “الإذاعة والتلفزيون” لمدة تقرب من عقدين. أتحدّث إليه وآخرين عن “مكتبة مكنزي”، “أورو زدي باك”، سينما “علاء الدين”، سينما “الزوراء”، مطعم “السويس”، “المقهى البرازيلية”، “كازينو شط العرب”، مطعم “عمو إلياس”، “حافظ القاضي”، “شريف وحدّاد”…، وأسماء كثيرة تصطف هنا، نتغزل بمعانيها ونستعيد ألواناً من سعادة حقيقية مُنِحْناها في أعمار هربت سريعة متكسرة. حفظتُها عن ظهر قلب مع سنين الكلية الأربع ومهنة اخترتها وانا لمّا أزل أواصل تعليمي الجامعي في منتصف الستينيات. عناوين تصادفني في طريق الذهاب والإياب يوميا، تُشَكِّل شطراً من ماض يأبى أن يغادر كيانَ صحفي شاب تخرّج قبل اكثر من عامين وهو يتَنشَّق هواء مكاتب صحف احتوتها بيوت متآكلة في”درابين” محلة “جديد حسن باشا”.. “فليت وود ستريت” بغداد. لكنه يرفض أي تعيين في دوائر الدولة رغم أنه يحمل شهادة بكالوريوس بـ”الإدارة العامة”، تؤهله للتقديم الى وظائف كان بالمستطاع نيلها في زمن يشهد بداية تنموية لبلاد تتطلع الى التغيير.

     كنت أقصُّ على “أبو داليا” بعض أحلامي في لقاءات خجلى ومتفاوتة، لم ترتقِ الى مرتبة الصداقة الوثيقة مع إنسان يجيد الإصغاء مثلما يعشق الكلام الموزون. رجل بشخصيته البسيطة، الأنيسة، الواعية، الموسوعية والجذابة، يُعَّدُ صديقاً حتى لِمن ليسوا قريبين الى سِنّه. أن تكون أكبر منه أو أصغر، شأن لا يمنعه من الانسجام الواضح والأليف معك، وتلك صفة لا يتحلى بها إلا من يبلغ مرتبة من رقيّ الاخلاق وعلوِّ المعرفة. وقد كانوا يُشَكِّلون أغلبية في ذلك المقهى الذي أستعيد بعض تفاصيله في حدث حزين.

سألني يوما: لماذا لا تتوظف؟

أُجبته وأنا أشرح الحكاية بشيء من التفصيل، وعلى وجهه كل علائم الاهتمام، والأستيعاب أيضاً: (“لن أشتغل الاّ في الصحافة مهما كان الثمن”. ” وأحد تلك الأثمان كما ترى، أنني وجدت نفسي عاطلاً عن العمل في حدث كان متوقعاً مع مجريات “عملية سياسية” متواصلة تشهدها البلاد. فقط قبل أسابيع قليلة احتجبتْ جريدة “النور” البغدادية اليومية لـِ”الاتحاد الوطني الكردستاني إثر صدور بيان الحادي عشر من آذار، والتي كنت أعمل فيها مع مجموعة رائعة من زملاء تعرفهم أنت أيضاً، مستقلين او غير مستقلين، ولم يكونوا من الكرد حتى، ولا تربطهم أية صلة عقائدية بمكان اشتغالهم. حزبٌ “ذهبَ”، فأُغلقتْ جريدته وحزبٌ جديد يأتي بجريدة أخرى. قد أعمل فيها أو لا أفعل. ولكن من يتحمل وزر “تطورات” كهذي هم الصحفيون المهنيون رغم أنهم يدركون أن ما يصادفهم ليس إلاّ أمراً مؤقتاً، إذ سرعان ما يلقون ترحيباً من صحف يومية واسبوعية. أوراق إعتمادهم تقوم على سمعة وخبرة إكتسبوهما في تجارب سابقة يعرفها معظم المشتغلين في الوسط الصحفي والثقافي. لذلك لم يساورني كبيرُ قلقٍ بشأن تطورٍ مررتُ به أثناء اشتغالي في صحف سابقة وتركتها بعد احتجابها لأسباب تتعلق بما ترسمه حركة المتغيرات في بلد غير موعود بالاستقرار، ومثلي كثيرون ممن اختاروا هذا الطريق. ما عليَّ إلا البحث عن “مكانٍ” جديد يؤوي شابّاً “زكَرتي” مجنوناً بمهنة “ما توِّكل خبز” كما يصفها البعض، وهو يريد أن يفند ذلك الإنطباع، ويُلغي معه فعلاً وليس كلاماً مقولة إنّ: “الصحافي يبقى حافي..!”.

يبتسم “أبو داليا” ابتسامته الفطرية التي أحسُّ أنه ورثها منذ ولادته: “ولهذا تحرص على أن تبدو بمثل هذه الاناقة؟

أُطرق برأسي خجلا: (ليس آنَقُ منك “أبو داليا”. وألاناقة أنواع كما تعرف).

 لا أتذكر كيف طرقتُ أبواب جريدة “الراصد” الأسبوعية التي كنت أعرف أن “صادق” يعمل فيها. ولم يكن هو واسطتي في الانضمام الى أسرتها. لكنني شعرت بارتياح أكيد لوجوده هناك. هو الذي قدمني لبقية الموجودين: مصطفى الفكيكي صاحب العمل، عالية ممدوح رئيسة التحرير، وقلَّة آخرين لا تحضرني اليوم وجوههم أو أسماؤهم، سوى “عادل عبد الجبار” “أبو واثق” الذي ستتوثق علاقتي به عندما تجمعنا جريدة “الثورة” بعد زمن. شعرتُ بلمسة إطمئنان ما أنْ وجدتُ نفسي في ممر لم يكن طويلاً، وأنا أقرأ على باب أحد المكاتب: “وكالة أنباء ألشرق الاوسط” “أ. ش. أ”. مكتبٌ صحفيٌ يجاور الجريدة إذن، وساصافح بعد حين “سمير العجوز” مدير الوكالة الاخبارية المصرية، كلَّما التقيه أثناء ترددي اليومي الى جريدة صرتُ محرراً فيها. كل شيء يهون ويبقى على ما يرام ما دام المكان مشبعاً بـِ”هوى” “صاحبة الجلالة”، حتى لئن خذلني الأجر وبالكاد يسد ثمن وجبات طعامي.

ننزل “أبو واثق” وانا عندما يصدف أنْ أكون في مقر الحريدة أوقات ما بعد الظهيرة لتناول غداء متأخر، ويكون معنا ثالث او رابع لتناول وجبة تمن ومرق. يطلب هو صحناً إضافياً من الأول وصمونة عوازة أحياناً. اما الباقون فيفضلون الغداء داخل المكتب، وطعامهم يقتصر على “ساندويتشات” أو أطباق “لسان” أو “روست” مع اقداح “الشنينة” التي يوصون بها من مطاعم صغيرة مثل “البوفيه السويسري” وغيره، بعض أصحابها من الأرمن “غرابيت” و”آغوب”. كان من الواضح ان “أبو داليا” يحرص على رشاقةِ ظلَّ محتفظا بها حتى أيامه الأخيرة. رشاقة تجاوزت الطعام الى أسلوب حياة.

      أعربَ عن سعادته البالغة عندما إستأذنته الجلوس الى جانبه أثناء تصميم الصفحتين اللتين كلفني بإعدادهما وبعجالة “أبو سعد” مصطفى وزوجته “أم لطيف” عالية. مواد إجتماعية منوعة مما أرصده في رحاب الثقافة والفنون وضجيج الشارع، لا تخلو من مشاهدات واشارات نقدية هادفة، ألجأ الى إتمام بعضها بالهاتف.. وما أدراك ما “التلفون” في ذلك الزمان، “يشلع ألكَلب”، خصوصا مع من اعتاد كتابة التحقيقات وإجراء المقابلات وجلب الاخبار وتحريرها.

صادف دخولي “الراصد” ان بعض التطوير سيطرأ على الصحيفة في حلَّتِها ومضمونها. وقد التحق باسرة التحرير بعد وقت قصير صديقي الروائي إبراهيم احمد باقتراح مني. وعلينا جميعا بذل جهود أكبر كي “نبيّض وجه” كما تعوَّدنا. وكان “أبو داليا” دائما الصائغ الماهر تصميماً وخطاً ورسماً ونقاشاً وتنويراً، وتحديداً في ما يتعلق بالقضايا الفنية والثقافية. نتكلم في موضوعات تتعلق بالكتب والموسيقى والسينما كلما وجدنا متسعا من الوقت. أذكر أنه اختصر أحداث فيلم يستغرق عرضه أربع ساعات في عشر دقائق. شاهده قبلي في إحدى دور العرض ببغداد، وحرص على ألاّ يبلغني بالخاتمة كي لا يفسد عليَّ متعة المشاهدة، رغم معرفتنا بالنهاية التي ستؤول اليها عملية “إنزال ألنورماندي” الشهيرة. .

 “The Longest Day”

  “ذي لونكَست دي” “أطول يوم في التاريخ” عنوان الفيلم بترجمته العربية، بمشاركة نجوم كبار اميركيين وأوروبيين مثل جون وين، روبرت ميتشوم، هنري فوندا، ريتشارد بيرتون، شون كونري، بورفيل، جيرت فروب.. والقائمة تطول. كذلك يطول الحديث ويتشعب مع “صادق الصائغ” الذي أخفقتُ في العثور على صورة وحيدة جمعتني وإياه، التقطها أحدهم بكاميرتي ألـ”إيكسا” هديةَ اتحاد الصحافيين الالمان الشرقيين التي قدمها للمشاركين في دورة كلية التضامن الدولية في أواخر العام الفائت. ويومها قال لي:”ما زلتَ تحمل لمعة برلين يا رياض“.

مقالات ذات صلة