(19) نقشٌ في الحجر: لا.. “ما ترهَم وَيْ حميد قاسم..!”



لم يكن وقت طويل قد مضى على أول “تحليق” لي في “الفضاء الأزرق” قبل نحو ثلاثة أعوام، عندما سألتُ نفسي دون أنْ ألُومَها: لماذا تأخرتُ عنه وآخرين كل هذا الوقت؟ هل الأقدار باتت بكل هذه القسوة كي تحرمني حتى من الاتصال بأعزاء تركتهم داخل مدينة زرعتُ عقود العمر الطرية فيها؟ وحينها، تركتُ البحث عن أية اجابات جانباً، غير مصدق أنني قد بدأت بـ”العودةِ” إليهم واحداً بعد الآخر فعلاً، إثر فراق طويل.
وكان هو واحداً منهم، بل وفي مقدمتهم، حيث بدأتُ أسترجع الملامح السمر لذلك الفتى اليافع المضمّخ بعبق دجلة، وبحكايات وأحلام فاتني العيش معها بالأمس، لكنني بقيتُ أُتابعها اليوم بمحبة من نافذة قصيَّة، شعراً وخواطر وآهات!! جرى ذلك في “مصادفة” جعلتني أقاسم “حميد قاسم” البوح بمشاعر هي مزيج من الألم والأسى مردِّداً أُغنية “وحيدة خليل” ” سبحان الجمعنه بغير ميعاد”!!

كنتُ بصدد منشور صغير جديد بأرضية ملوَّنة، كتبته في فانكوفر بتأريخ السابع عشر من كانون الثاني 2024، استرجعتُ عبره أحداث ليلة مرَّ عليها نحو أربعة وثلاثين عاماً..!! ذلك النوع من المنشورات التي “يرْهم” عليها وصف “الانتباهة” أو “الالتقاطة” أو “أللسعة” التي تشبه “نگره سلف” بلغة “الشيخ عمر”، وأسمح لنفسي باستعارتها اليوم، لأنَّ المصطلحات المستخدمة “هناك”، ما تزال تشكل رصيداً عميقاً في روحي، أكان ذلك “توارد خواطر” جعلنا نحن الاثنين نختار الموضوع ذاته في وقت واحد فأقرأ شيئاً له على “الفيس بوك”، عن قصف ومباغتة وأولاد صغار يحاول أبوهم تبديد خوفٍ أكبر منا جميعا وهو يتربص ببيوت “دار السلام” ليلة 16 – 17 ك 2 1991.. ليلة اشتعلتْ فيها بغداد بأرضها وسمائها.. وباتت عصية على النسيان عند عراقيين من أمثاله، لأنهم عبارة عن دفتر أبيض مفتوح على جراحات وطن أدمنَ الحزن؟.
في ذلك المساء الذي لم يمض سهلاً عليَّ، نشرتُ كلماتي على مستطيل اخترتُ له قاعدة حمراء، اشارةً الى خطرٍ تمنيتُ في قرارة نفسي الاّ يبقى يلازم أهلي هناك، ووجهتُ اليهم تحية من مكاني البعيد الذي تم اقتيادي اليه. قلتُ فيه:
( 17-16 ك2 91 ليلة “القبض”على بغداد. رحلة ألم وتأريخ جديد بمصائر مختطفة. أحييكم حيثما أنتم، من مكان لم أختره. تعليقي على منشور حميد قاسم).

لا أعرف الآن ما إذا كان “حميد” قد قرأ المنشور يومها أم لا. لكن ذاكرتي المهاجرة بدأت تتلمس الطريق اليه وأصحاب عديدين، استميحهم عذراً لأنني تأخرتُ عليهم بسبب غربتين قاسيتين مررتُ بهما، غربة الابتعاد عن الصحافة وعالمها لعقد ونصف وأنا في عراق التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، ومنفىً يسمونه “اختياريا”، أخذ من عمري الزمن ذاته تقريبا في بلادي الجديدة كندا.
ويوما بعد يوم، “اكتشفتُ” أن “أبو مجد” بذاكرة وفية، أكثر طراوة من تلك التي أتمتع أنا بها. وشيئاً فشيئاً تيقنتُ من يكون. كتبَ تعليقاً لعلَّه الأول لهُ على نص أنشره في صفحتي وكان عن رحيل فنان الشعب “حمودي الحارثي”. التقطَ “حميد” منه عبارة: (نعم الموت هو نهاية عرض موجع.. ما أدقَّ هذه الجملة رياض شابا..) وأضاف: (للتوثيق كنتما تعبران جسر الأحرار وتنعطفان صوب الكريمات. لا تنس ستوديو بيزاز..!).
وكنتُ أنا قد أشرتُ في رثائي للفقيد “الحارثي” أنني لا أتذكر فوق أيّ جسر أخذني “عبوسي” تحديداً، أكان “الجمهورية” أو “الأحرار” بعد خروجنا من السينما ليلاً ونحن في طريقنا الى تناول ألذَّ “رگية” باردة من يد “الحجيَة” والدته التي هممتُ بتقبيل يدها في شرفة بيتهما الذي “اعتبرتُه” ذاكرتي ضمن منطقة “الصالحية”، لكن أبا مجد عدَّل المعلومة، وجعلني شاكراً له في أيام تالية رحنا نتبادل خلالها الرسائل.

وعن “الصالحية” عينها وعلى “الماسنجر” قدَّم لي “ابو مجد” في اتصال آخر خريطة مفصَّلة بالكلمات لمنطقةِ جمعتنا سنوات مجلة “الاذاعة والتلفزيون” في السبعينيات ومن بعدها “فنون” كما صار اسمها، استجابةً لطلب مني، وتلبيةً لنداء أطلقته شوقا الى أماكن حبيبة عرَّفتني بحميد قاسم وإنْ كان لزمن لم يطل للأسف، فأعادني الى شوارع وأزقة ومقاهٍ ومطاعم ودار سينما وأماكن تسكَّعَ كل منا فيها على طريقته، لكن دون أنْ يُكتَب لي يوما الجلوس معه ومشاركته “خبز وملح” من الصنف الذي كانت تؤمنه لنا تلك الايام، ودون ان نلتقط صورة معا او نكتب تحقيقا صحفيا مشتركا.
تمنيتُ لو أنني في بغداد الآن، كي أحمل له باقة زهور ملونة تشبه روحه الجامعة، وشيئاً ما يجعلني أكثر قرباً من تفاصيل ما تزال تُشكِّل زادي في الغربة. “سلامات أبو مجد”.. كتبتها له مرات عدة تعليقاً على مشاعر بثها كثيرون خلال معركة انتصر فيها على “غمامة” مؤقتة، ولكن هذا لا يكفي.. “ما ترهم”.. مع الدفتر الأبيض المسكون حباً كثيراً!!.





