(17) نقش في الحجر: مقلب صحفي مع حلول عام ستيني جديد!!




الأسابيع الأخيرة من العام 1967، وشتاءٌ تميَّز بموجة برد مفاجئة أصابت الناس بالرجفة والدوار لأيام معدودة. ما إنْ وضعتُ أوراقي على طاولة فاضل العزاوي “مدير تحرير” جريدة “المواطن”، وفيها استطلاعي الذي أراده سريعاً بشأن الطقس و”بلاويهِ”، حتى بادرتُه بفكرة كتابة تحقيقين صحفيين أولهما مع عدد من سفراء البلدان الأجنبية والعربية في بغداد، والثاني مع منجِّمين، عليَّ العثور عليهم في شارع الكفاح.

سيتحدث السفراء عن أهم الأحداث السياسية التي شهدها العالم “برأيهم” خلال عام سنودعه بعد أيام، مع أبرز توقعاتهم عما سيشهده العام الجديد. أما “فتّاحو الفال” فسيزرعون توجساً غير مألوف في نفسي عن كوارث ستهزُّ الكرة الأرضية “لا محالة”.. في زمن كان أقل اضطراباً مما نشهده اليوم.
لم تكن المهمة سهلة، اتصالات هاتفية تسبق المواعيد، وزيارة أولى كي أترك الأسئلة في مكاتبهم أو عند الملحقين الصحفيين. وزيارة ثانية أقابل خلالها بعضهم وجهاً لوجه أو أستلم منهم الردود مكتوبة ومشفوعة بصورهم الشخصية.
وما إنْ أنهيتُ جمع المعلومات خلال أيام مرهقة، وجلست على طاولتي في غرفة المحررين للشروع بصياغة التحقيق الأول، حتى اكتشفت أنني أضعت إجابات السفير الفرنسي الذي فضَّل أنْ يسلّمني إياها مطبوعة!

صعد الدم الى رأسي دفعة واحدة، ورحت كالمجنون أقلّب كل محتويات طاولتي الحديدية، وأفتش محفظتي الجلدية التي كانت خير صاحب لي، احملها بحرص قريباً الى القلب أينما ذهبت وفي أي وقت وحتى بعد منتصف الليل أحيانا، لكنها خذلتني هذه المرة؟!
“ماذا فعلتَ بنفسك يا رياض؟.. ساعة السودا خروجك السريع من الكلية وبهذلتك بالباص”!!. رحتُ أراجع مع نفسي الأماكن التي جلست فيها. قاعة المحاضرات؟ نادي الكلية؟ مطعم كركوك؟ مقهى الزهاوي؟ موقف الانتظار عند الصرافية او الميدان أو ساحة النصر؟ أسئلة تليها أسئلة وأنا بين لائمٍ لنفسي ومبررٍ لـ”ذنب” يُعدُّ من الكبائر.. .. ومع من؟ مع سفير..؟
وكنت وقتها أواصل دراستي الجامعية وعليَّ التوفيق بينها وبين مهنة “المتاعب” عن صدق، وبين عيشة “الزكَرتي” “الدايخ”، لكن، كل هذه الحجج لن تشفع لي. تلفون واحد من السفير الى رئيس التحرير أو الخارجية سيضعني في موقف صعب، قد يهدّد مستقبلي المهني. صرتُ أضرب أخماساً باسداس كل دقيقة وساعة. هكذا فكّرتُ ونظرت الى الأمر حينها، وأنا اليافع الحريص المندفع بجميل الأحلام..

لكن ما هي إلّا نصف ساعة، حتى تحوَّل خوفي إلى ارتباك بدا يزول تدريجياً، عندما أفصحت عن حقيقة الأمر لزملائي الذين يتجمّعون في مثل هذا الوقت من مساء كل يوم داخل غرفة المحررين بمبنى الجريدة قرب البريد القديم مقابل الإعدادية المركزية للبنين، والذين تحلَّقوا حولي في شبه “دائرة “مغلقة”، يهوِّنون عليَّ الأمر ويسمعونني كلاماً جعل الهدوء يتسرّب الى أعصابي قليلاً:
مجيد الونداوي: ضاعت يعني ضاعت.. الله أكبر. زهير أحمد القيسي: تحصل في أحسن الجرائد. حميد رشيد: Take it easy.. سلام خياط: لا تكبّر الموضوع يُمَهْ رياض. سعيد الربيعي: لا تخاف.. لا تخاف. مؤيد البدري: لا تخاف مو “بنلتي”.. وهنا قهقه الجميع وطلبوا مني أنْ ابلِّغ فاضل العزاوي مدير التحرير بالأمر، كي يبقى على بينة، حيث أنّ ارتباطنا به مباشرة، فلا وجود لرئيس قسم نتعامل معه.
في صباح اليوم التالي، وبعد أنْ أمضيت ليلة قلقة، “ضربتُ” الدوام في الكلية، وذهبت دون موعد مسبق الى السفارة الفرنسية في أحد الشوارع الفرعية بالكرادة الشرقية-داخل. استقبلتني السكرتيرة الحبّابة وهي تمعن النظر في وجهي الذي أظنّه كان شاحباً بما يكفي للتعبير عن مأزق أعيشه، رغم أناقة معتادة كان يحرص عليها الصحفيون زمنذاك.

راحت تحدّثني بلهجة لبنانية واضحة وهي تطلب لي الشاي: شو “ديعتها”..؟ ضيعتها؟ “اي والله.. وانا عاجز عن التعبير عن الأسف.. خجلان جدا“.
ويبدو أنّ النسخة الأصلية لم تكن في حوزتها بل عند السفير الذي رفعتْ سماعة من بين أحد الأجهزة الموجودة على مكتبها لتحدثه بالفرنسية وتشرح له الموقف الذي مرَّ بسلام، لكنه كان درساً عصيّا على النسيان بالنسبة لأصغر محرر في الجريدة يقطع خطوات أولى على طريق مهنة مهما حاولتْ أنْ تتحاشى المقالب وتبتعد عن النهايات المغلقة فيها.. لكنها تبقى تحوم حول من يحترفها.. شاء أم أبى!!
كل عام وأنتم بخير مع سنة جديدة بلا نهايات مغلقة، أتمنّاها للجميع..





