مقابلات

مجلة “الأديب العراقي”: الروائية عالية ممدوح، صوت من فم العاصفة (ج.3 والأخير)

* في حوارك مع هديل عبد الرزاق، قلتِ إنكِ وقعتِ في غرام نسيم جلال الذي هو من شخصيّات (التشهّي) وإنك ما زلت تبحثين عنه، ويبدو أنك لمّا تجديه بعدُ!!! فلِمَ تعلني عن ذلك!!

– نعم، صحيح جدًا. نسيم جلال فتنت به في رواية (التشهّي) لكنّه رجل عطبته أمور عدّة: فشل مشروعه الفكريّ الماركسيّ، فقد عاش في برلين الشرقيّة، وأنا ألتفت إليه طويلاً في التأليف، كنت أناديه باسمه المختار في أثناء الكتابة، لم أفرغ من تدوين شخصيّته ويأسه التام حتى في مشروعه الوجوديّ. لم يفقد فتنته إلى اليوم وأنا أفكّر بجيل كامل على شاكلته الكثير منهم نعرفهم بالفعل. لم أضخّم ذاته، ولم أباغته بحبّ فوق طاقته، بعض المخلوقات البشريّة ومن الجنسين يجهدون أنفسهم للعب دور المحو أمام المحبوب أو سمّه ما شئت فعنده الجواب الأخير. هنا يحضر بحر وهو يتجوّل بدراجته الهوائيّة في مدينة برايتون البحريّة التي عشت فيها فترة طويلة بجوار ابني وهو يدرس هناك. ومن بركات بحر أن حضرت راوية المغرمة التي تكترث بالصوت البشريّ وتهجر صاحبه. هي أساليب دفاعيّة من المؤلّف لضبط تلك العلاقة المقلقة لهما والمنغّصة لي جدًا ككاتبة. راوية وبحر فقدا تواطؤ المحبوب الغائب، فحضرت الرواية التي في ظنّي أنها قامت بابتزاز الشخصيّتين وأنا أخضعهما إلى التأنّي في اللقاء الأخير فلا ندري أين هما الآن، ولو لي الحيل التامّ لقمت بالبحث عنهما ثانية فربّما يقومان بإصلاح الأخطاء بالرغم من أن معاصي المغرمين هي من ألطف قضايا العشّاق والتدوين.

* أودّ أن نتحدّث باستفاضة عن جريدة (الراصد) من العام 1971 ـ 1982 وقد كنتُ أعرف أنّ عدد قرّاء الراصد الذين يشترون الجريدة أعلى من عدد قرّاء الجرائد الحزبيّة وغير الحزبيّة التي كانت تصدر في ذلك العقد!! فمن صاحب فكرة الجريدة؟

وهل هي متأثّرة بجريدة(The Observer) البريطانيّة، ولو بالاسم، ويبدو لي أن الجريدة كانت مربحة، فما سبب توقّفها؟ ما الصعوبات التي واجهتك في إصدارها؟

– في كتاب ” في أحد طوابق الستينات” هناك في الختام النصّ الطويل حول الراصد، ومن كان يعمل بها في تلك الفترة ما بين السبعينات إلى العام 1982 العام الذي تركت فيه كلّ شيء وغادرت بلدي وابني معي. الراصد وفّرت من النساء على الخصوص شتائم وسبابًا مبتكرًا وموصى عليه من كائنات تضخّ سمومًا ذات صناعات بدائيّة، ومزاعم تثير الأسى من قائلتها، كيف احتفظت بها طوال أربعين عامًا في ذاكرة تؤذي ذاتها قبل الغير. الراصد أنجزت خطوات في المستقبل، تحدّت الماضي، وتصدّت للحاضر ووسّعت هامش الصورة المغايرة اللطيفة والمبتكرة. كان هناك جيل من الشباب الحيّ الشغوف بمشاهدة اسمه ولو بحروف صغيرة تنشر في صحيفة ذات أسماء بدأت تشقّ طريقها في الرسوخ. هذا الذي لم يفهمه الكائن المسموم من نجاح الراصد التي مثّلت في رأيي، وبمعنى من المعاني ما يمثّله اليوم ” التواصل الاجتماعيّ” لجيل السبعينات ومن حضر بعده بكلّ تداعياته وإشكاليّاته. البعض كان يرصد علينا ونحن نتخطّى الصحافة الموجودة بأرقام المبيعات التي وصلت إلى حدود الخمسة ملايين نسخة على الخصوص في السنين الأخيرة، وكانت توضع بعض صحف الدولة مع أعداد الراصد لكي يكون البيع جيّدًا. في ظنّي كانت الراصد تشبه نصًا أو رسالة غير منجزة أو جملة تنتظر القارئ أن يدوّنها هو. كنّا جميعًا نعمل ونكدح، ربّما ليس في وقت واحد، ولكن لغرض واحد هو اللافشل!! في الراصد تعرّفت على أجمل جيل شعريّ وأدبيّ وثقافيّ، فتحوّلنا حالاً إلى أسرة شاسعة لا نهائيّة وإلى الساعة. أظنّ بعض الكاتبات أو ربّات البيوت، حتى لو كنّ يعملن في الإعلام لم يتعرّفن من قبل على إدارة تحرير صحيفة أسبوعيّة من زوجين مغرمين وشديدي الحريّة، وهذا ما أوقع الكثير من الأصحاب في مواقف من سوء الفهم أو سوء التقدير. ما علينا، الراصد في تاريخها، حضر إلينا السيّد فخري كريم فعيّنه صاحب الامتياز سكرتيرًا للتحرير، وكان المفكّر عزيز السيّد جاسم مشرفًا فكريًا وسياسيًا. كنّا في الصفحة الثقافيّة نعمل عبد الجبّار عبّاس الناقد الراقي الصموت والحزين حزنًا مقيمًا، وكأنه ولد بمشيمة من الغصص، وأنا وفوزي كريم، أحد أعزّ الأصدقاء، نعمل كشراكة، ربّما ليست مثاليّة، لكننا كنا نبدي تفهّمًا ومصالحة داخليّة أكثر وأعمق مما كانت تجري فيما يسمّى بالجبهة الوطنيّة. باختصار، لو عاد الزمن ثانية لما حذفت اسمًا، أو مقالة، أو قصيدة، أو نصًا، أو صداقة من تلك المرحلة التي أطلق عليها الآن بـ نشوة البسالة، بسالة حصلت تحت وطأة البهجة والاختلاف. حصل توقّفها بسب توقّف الورق بعد الحظر الأمريكيّ التاريخيّ على كلّ شيء، فالقليل الذي كان يصل من الورق يحصل عليه فرقاء النظام.

* في كتاب (الأجنبيّة) قتلت الساردة جميع أفراد أسرتها، واحدًا بعد الآخر. فمن قتلت عالية ممدوح لتنتج (الأجنبيّة) للعالم؟

– في مقابلة لبرنامج “المشّاء” لمحطّة الجزيرة في العام 2021، ذكرت عرضًا، إن على الكاتب أن يكون قاتلاً. وحين أذيعت الحلقة لم تذكر تلك الفقرة في الحوار، وإنّما تركت لمواقع التواصل الاجتماعيّ التي لا علاقة لي به ولا أحتمله شخصيًا. فالكتّاب والفنّانون قتلة بعلمهم أو بدونه. وفعل القتل صيرورة دائمة منذ بدء البشريّة، لكنّ فعل القتل في الفنون والآداب هو إيقاع داخليّ لا يجامل ولا ينصاع للغير. ففي داخلنا تعشّش كائنات شتّى تتوق لعزل فلان وفلانة ورميهم في الطرقات أثناء رحلة الوجود.

راجع نفسك عزيزي وعدّد ما قتلت في داخلك من صور وكائنات، وأفكار، ومخاوف، ورغبات. أحد النقّاد الكبار دون ذكر الأسماء كتب بحثًا أظنّ من عشرين صفحة في إحدى الدوريّات. كان يفنّد ويندّد ويبدّد كلمة – بيوت روائيّة- ولماذا استخدمتها ومن أين جلبتها الخ. وناقد كبير كالدكتور صبري حافظ الذي كتب بحثًا مذهلاً يشير أن كتاب الأجنبيّة ” لا يملك أسلافًا له في الكتابة العربيّة “. شخصيًّا لا يعنيني التنظير ولا أشغل بالي به. وأنا أكتب لا أفكّر بالنقد ولا الناقد وربّما القارئ العزيز أيضًا. فأنا لا أقوم بالترويج لأفكار تلائم المؤسّسة السياسيّة أو الدينيّة أو النسويّة بالمعنى الدعويّ لكي أحقّق عبرها ما تريد تحقيقه من خلالي كمؤلّفة. فلدينا بما يسمّى اللوبي هنا في فرنسا نستطيع رصده، وهناك في بريطانيا الخ هكذا تجري الأمور فهي لا تختلف عن السياسة ودروبها الوعرة.

* في كتاب (الأجنبيّة) قدّمت وصفًا رائعًا لمعاناة الأجانب لتعلّم اللغة الفرنسيّة، كي يستطيعوا البقاء والحصول على عمل في باريس، ففي أيّ بيت أنتِ اليوم؟ أبيت الفرنسيّة، أم بيت العربيّة، وأنت الموصومة في بلدك بالجانحة التي تستبيح اللغة، المرجعيّة، الجماعة، والحزب!!!

– هذا سؤال حيويّ ويثر الحماسة واستفزازه سرّي. كلّ كائن بشريّ لديه بيت طاعة، أحيانًا مؤثّث وبه مصابيح، لكنّ الجيران لا يطاقون على سبيل المثال، اليوم وقبل أسئلتك لمجلّة (الأديب العراقي) شاهدت نفسي، امرأة كادحة إلى الساعة. الكتابة خرّبت حياتي، ولم تمنحني إلّا المزيد من المآزق. كنت أريد أطفالاً أكثر، وحياة غراميّة مع رجل أستطيع أن أتشاجر معه صباحًا لكي يصالحني مساء، وأولادًا لديهم مصاعب كثيرة فلا يتمّ العثور على حلول لهم. أظنّ تكوين أسرة هو أيضًا نوع من تحقيق الذات لكن عبر خليّة جمعيّة أنت فرد واحد منها. أمّا الـتأليف فهو مآزقك ولوحدك وتحقيق ذلك يحدث وأنت وحيد أنانيّ بصورة لا رجعة فيها، ووحدتك لا تطيق أيّ شريك، حتى لو كان وحيدًا أكثر منك.

مقالات ذات صلة