مجلة “الأديب العراقي”: الروائية عالية ممدوح، صوت من فم العاصفة(2)




* هل يمكن الوصول إلى بعض أسرارك في طريقة الكتابة، يعني الوقت المفضّل للكتابة، كم صفحة تكتبين في اليوم، كم عدد الصفحات الممزّقة أو المحذوفة على الحاسوب، هل تكتبين على الورق أم على الحاسوب مباشرة، كيف تخرج الرواية نهائيًا، هل تضيفين لها، أم تحذفين منها؟

– الكتابة عمل شهيّ وشاقّ، فعليًا الكتابة لا تحضر بالمصادفة وإنّما بالتنظيم الذي فرضته على ذاتي منذ سنين بغداد وإلى اليوم. أطلقت على الكتابة المنتظمة بـ ضربة شمس التأليف ما بين اللسان واليد. ليست طقوسًا كما يدوّن بعضهم، هي أمور شديدة البساطة تدعني أكترث لبعض التفاصيل التي لا يراها غيري، مثلًا، عليَّ ارتداء ثيابٍ مريحة جدًا، لا تضغط عليّ في الحركة، والقيام بعد كلّ ساعة ببعض الحركات الرياضيّة، لا أكتب إلا في مكاني من على طاولتي، وعلى يساري نافذة كبيرة جدًا فأرى عبرها حديقة الدولة الساحرة والمنظّمة، وأنا أتبادل النظر مع أغصانها المدلّاة على سياج العمارة التي أسكنها، هي الأنس الحقيقيّ للبصر والبصيرة. طعامي خفيف طالما أنا أشتغل، والإضاءة تامّة بضوء يعمل بفولتيّة كاملة، حتى لو كانت الشمس ساطعة، فأنا أحبّ مشاهدة الكلمات والحروف بسبب مرض عيني، كنت أكتب مقالاتي على الحاسوب مباشرة، أمّا الروايات وقد أكملت العاشرة قبل أيّام، وعنونتها ” في الليل لمّا خلي ” و ” خلوة النقص”. فقد دوّنتها في دفاتر متعدّدة ذات سطور مناسبة، بالفعل أبتهج بمشاهدة الكلمات، ثمّ اكتمال العمل، لكنّي أبقيه لديّ طويلًا، لا أحبّ الفطام من التدقيق، والمحو وإصلاح ما يلزم. أكتب يوميًا إذا كان لديّ كتاب جديد، ثمّ أدعه جانبًا وأخرج للمشي إذا كانت وضعيّتي الصحيّة تساعد على ذلك، وبعد أيّام أعود إليه، نعم هذه مسؤوليّتي، كلّ تلك النعوت والمفردات، كلّ تلك اللغة التي كانت في حوزتي وبين أصابعي هي التي تبتكر لي بعض الحلول فلا أتوارى من أمامها إذا ما صادفتني الإخفاقات، والكثير من الفشل، وفي أيّ وقت يحضران عليَّ استقبالهما كما يجب، فهما ضيفان تعلّمت منهما الكثير وما عليَّ أن أقاوم ما يسبّبهما ذلك من إحباط.
* في دور النشر الأجنبيّة توجد وظيفة المحرّر الأدبي، وهو وراء نجاح كثير من الروايات، فما سبب غيابه عن دور النشر العربيّة برأيك؟ ألا تعتقدين إننا نحتاج إلى المحرّر الأدبي وليس الخبير أو الرقيب في الأنظمة الشموليّة؟
– نعم نحتاج جميعًا المحرّر الأدبي، حاجة مميتة للمكرّسين والمبتدئين وللذين بين بين، و يا حبّذا لو نعثر على محرّر أدبي. سياسي يقوَّم السياسات المعتوهة للدول والقادة. هو موجود في الدارين اللتين تعاملت معهما: دار الآداب والساقي. وقد قمت بالإصلاحات المناسبة لكلّ عمل مرّعليهم.
* تترجم كلمة (براغماتيّة) بـ النفعيّة، أو المصلحيّة، أو الذرائعيّة، ولو رجعنا إلى روايتك (غرام براغماتيّ) لأمكننا صياغتها بـ (غرام نفعيّ، أو مصلحيّ) فهل ترين أن ثمّة تعسّفًا في العنوان!! إلا تسعى الكائنات في الطبيعة إلى التعايش وتبادل المنافع من أجل استمرار الحياة؟ وليس لسدّالنقص، كما هو في الرواية؟

– من أين أحضرت نعت ” سدّ النقص”؟ أين عثرت على هذا النقص البغيض في شخصيّتي راوية وبحر في رواية (غرام براغماتيّ) لقد كانا يعشقان بعضهما بعضًا بطريقة لا تطاق. وكنت أرى الحبّ يحاصرهما حتى دون الاعتراف بذلك علانية. هي من الروايات القريبة إلى قلبي جدًا. لقد كانت الأحداث في هذه الرواية حقيقيّة، بمعنى اكتشافي شخصيًا في شقّتي عطبًا يقبع وراء صفوف الكتب. قامت راوية بإطالة تلك اللحظة قبل أن تنقلب إلى لحظة موت لها أو لبحر. اشتاقت راوية على التناوب لمشاهدة ذلك الصدع في الحائط ثمّ فيها وفي بحر، أي شروط العلاقة بين الغياب والحرمان، بين الرغبة والتملّك، ثمّ الترنّح بين جميع تلك الحالات مّما استدعى لديّ منافع رعاية الغرام العارم والرغبات والدلال. لماذا يرتاب المثقّف والفنّان والشاعر من معنى ورنين البراغماتيّة!! نعم كلّ علاقة في الأرض بدءًا من الأم وطفلها وهي ترضع من الثدي، هي علاقة تستدعي المنافع بأسرها، وإذ لا يعترف أحدنا بهذا فهو يتبجّح بورع الأمومة الفاضلة، والابن البار، وهذا غير موجود حتى في الجنائن المعلّقة، المحبّ يستدعي الحبيب هذا فعل نفعيّ حمولته تقع على الاثنين، العبء واللذّة.
* في رواية التشهّي، رأينا (سرمد برهان الدين) وهو في المنفى يراجع طبيبًا هنديًا في أحد المراكز العلاجيّة، ويرى بعض النقّاد أنّ سرمد رمز للعراق في الرواية، وفي رواية (غرام براغماتيّ) نرى والد بحر يرقد في مستشفى الأمراض النفسيّة!! فيما زوجته البريطانيّة (والدة بحر) في أتمّ الصحّة!! فهل حقًا أن العراقيّ أو العراق بقراءة رمزيّة للرواية، هو مريض دائمًا، ويحتاج إلى من يساعده!!

– جميل جدًا هذا السؤال، وهو يعمل لصالح جميع الشخصيّات، وليس سرمد برهان الدين- المريض- أزعم أنّ تركيبة جميع الشخصيّات في هذه الرواية لا تبعث على الطمأنينة الصحيّة، فعبر هذا العمل لم تقضِ مسؤوليّة التأليف لموت الشخصيّة المركزيّة، سرمد، ولكن أفسحت له أمراضًا متعدّدة، ليس الخصاء بينها، فهو لا يعاني مرضًا تناسليًا. سرمد لم يراجع طبيبًا هنديًا وإنّما باكستانيّ، ثمّزيارته لباريس للعلاج الطبيعيّ الذي يشي بخطّ صوفيّأيضًا، لذلك زيارته للعلاج الطبيعيّ تمتلك قراءات متعدّدة، هي للعلاج الذاتيّ، ولكنّنا نقول عنه ” شدّة الموضوعيّة” (ألف) مريضة أيضًا، ومرضها مبكّر جدًا بزواجها من مهند موظّف الاستخبارات الذي كان يغتصبها يوميًا وهو يراقب الأمر لعشقه المرضيّ لفعل التشفّي والشماتة بها وبشقيقه. من تريد بعد، يوسف الطبيب السوريّ المنتهك جنسيًا من قبل مهنّد، فتركناه يلوذ بالعلاج النفسيّ والصمت والفشل الزوجيّ. لا أودّ خلط بحر مع سرمد أبدًا، فالأول كان معشوقًا من قبل القارئات بالفعل، أنا في المقدّمة! أمّا سرمد فقد ضايقتني اللامبالاة والكسل، ثمّ الهشاشة المفرطة في شخصيّته، وتلك البدانة المفرطة. ليس سرمد مريض وحده، من الجائز الذهاب إلى العراق ومراجعه، قبل سقوط نظام الاستبداد، ثمّ ترنحه التامّ في أثناء الغزو والاحتلال، ثمّ عطالته التامّة في كلّ شيءٍ وأيّ شيء! حتى” أحسب الموت في جواره”. إننا نكتب روايات عن غياب العراق، حتى لو كان النقد العربيّ أو العراقيّ يقتات على ” وطأة الانتظار”، انتظار عودة العراق.
* لقد وجدت في أسماء أبطال رواياتك بعدًا رمزيًا، إذ يوحي اسم سرمد بالعمق الزمنيّ والاستمراريّة، بنما يوحي اسم (مهنّد) بالقوّة والسيف للحفظ على السلطة في رواية التشهّي، كما توحي أسماء راوية وبحر بالعطاء في رواية (غرام براجماتيّ) والأسماء، عفاف، أيوب في رواية التانكي. وسهيلة في رواية (المحبوبات) فما مدى تأثير هذه التقنية الروائيّة، في نجاح الرواية ورسوخها؟ وهل ترين أن هذا التكرار ربّما يقدّم للمتلقّي مفاتيحَ لقراءة الرواية.

– في رواية (حبّات النفتالين) انهماك متعدّد في الاشتياق لبعض الأسماء. فأنا أتناوب على حضور الجدّة وفيقة، اسمها الحقيقيّ، هي سيّدة نورانيّة ومحروسة بالكمال. فريدة العمّة استدعيت فيها ” هستيريا الإغواء”. عادل الأخ، وهدى الطفلة البارود والراوية. محمود، الغرام المرتبك الأول، وكأنّ هدى كانت تعشق محمودًا على الريق. منير شخصيّة دميمة وغير محبوبة، وهذا اسمه الحقيقيّ، فكنت أكتب وأردّد، فليحضر السيّد منير وأنا أرى صلعته تلمع كما لمعان حذائه. الأسماء في المحبوبات: سهيلة اسم أمّي، فاو بريق الحبّ الذي يتجاوز فعل الرقص. بحر أجمل اسم اخترته فقد كان شابًا من الحيّ عندنا في (الصليخ) وهذا اسمه بالفعل. كان جشعًا للغرام وهو يقف في مفرق كلّشارع في انتظار أمل محبوبته. الاسمان حقيقيّان بالفعل. كما حضر اختياري لأسماء الصديقات في (المحبوبات) فكنت ألتقي بكلّ صديقة وأسألها أن تختار اسمًا لها. كانت السيّدة أسماء في المحبوبات قد زعلت منّي إلى اليوم وهي تعاتبني في أسى:
ليش لم تظهريني مثقّفة؟
يا ربّ العالمين.
عفاف أيّوب، في رواية (التانكي) يتضمّن اسمها المعاني الثريّة والعميقة للاسمين. كلّ اسم مشهد كونيّ أراه وأسمع رنينه ثمّ حروفه، وبالتالي تعاقب فوزه. الناقدة والمفكّرة والروائيّة الكبيرة هيلين سكسو سألتها عن اسمها المختار، أجابت حالًا: تيسا هايدن. وهكذا هي ليست تقنيات مفتعلة. على الشخصيّات أن يكون لها أسماء، فلماذا تطلق عليه تكرارًا؟ عندما تنجب زوجتك طفلًا أليس من طاقة الحبّ أن يكون له اسم مختار ينادى به؟.






