


“برقية”: ترجمة نصيّة
بعد عام من التهديدات وإعلانات الهيمنة على نصف الكرة الغربي، بدأت حملة دونالد ترامب لـ”استعادة” قناة بنما—وانتزاعها مما يصفه بالسيطرة الصينية—تؤتي ثمارها أخيرًا. ففي 29 يناير قضت المحكمة العليا في بنما بأن العقد الذي تملكه شركة «بنما بورتس كومباني»، التابعة لتكتل «سي كيه هاتشيسون» ومقره هونغ كونغ، لتشغيل الموانئ عند طرفي القناة، ينتهك دستور بنما.
وفي اليوم التالي قال رئيس بنما، خوسيه راؤول مولينو، إن شركة APM Terminals، التابعة لشركة «ميرسك» الدنماركية، ستتولى تشغيل الموانئ إلى حين طرح عقود جديدة للمناقصة. ومن الصعب تخيّل أن شيئًا من ذلك كان سيحدث من دون الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة. وقد قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إن الولايات المتحدة «تشجّعت» بهذا القرار. لكن مخاطر جديدة تلوح في الأفق أمام بنما.

في مارس من العام الماضي بدا أن مشكلات القناة لدى ترامب قد تُحل عبر صفقة تجارية، إذ كان من المقرر أن يستحوذ تحالف من شركات غربية على الموانئ ضمن صفقة أوسع مع «سي كيه هاتشيسون». لكن الصين عارضت البيع. وبعد ثلاثة أيام من انقضاء الموعد النهائي لإتمام الصفقة، قدّم مكتب المراقب العام في بنما القضية المتعلقة بـ«سي كيه هاتشيسون» إلى المحكمة العليا. وكثير من البنميين مستاؤون من الانطباع الذي لا يمكن تفاديه بأن حكومتهم ونظامهم القضائي يرقصان على إيقاع ترامب.
ووصفت دائرة شؤون هونغ كونغ وماكاو الصينية الحكم بأنه «سخيف» و«مثير للشفقة»، مضيفة أن بنما ستدفع «ثمنًا باهظًا». ولا يمكن الطعن في قرار المحكمة العليا، لكنه قد يُحال إلى التحكيم الدولي. وفي 3 فبراير قالت «سي كيه هاتشيسون» إنها ستفعل ذلك. وقد يكون هذا مكلفًا، ماليًا ولسمعة النخب السياسية في بنما التي استوعبت الشركة عبر إدارات متعددة. ولدى الصين وسائل أخرى للرد؛ فقد تفرض قيودًا على السفن التي ترفع علم بنما، أو تقلّص تمويل البنية التحتية للبلاد، أو تمضي قدمًا في تطوير مسارات تجارية عابرة للمحيطات بديلة.

ودعا مولينو «سي كيه هاتشيسون» إلى «التعاون بشفافية» خلال فترة الانتقال. لكن لدى الشركة وسائل كثيرة لتعطيل التجارة؛ فقد ترفض مثلًا، أو تتباطأ، في إتاحة الوصول إلى برمجياتها المملوكة التي تُشغّل محطات الموانئ.
كما يضرّ الحكم بسمعة بنما الاستثمارية. ففي عام 2023 أمرت المحكمة العليا بإغلاق «كوبري بنما»، وهو منجم نحاس ضخم مملوك لأجانب. وبعد أربعة أشهر فقدت بنما تصنيفها الائتماني الاستثماري. وهناك أيضًا مسألة المناقصات المستقبلية. فشركة «ميرسك»، التي اشترت شركاتها التابعة خط السكك الحديدية الذي يربط بين الميناءين في أبريل الماضي، ومن المقرر أن تدير الموانئ نفسها خلال المرحلة الانتقالية، تتصدر موقع الصدارة للفوز. وهذا يعرّض الحكومة البنمية لخطر اتهامات بالمحاباة.
وربما لتفادي مثل هذه الاتهامات، أعلنت هيئة قناة بنما (ACP)، وهي جهة حكومية، في يناير شروط إنشاء ميناءين جديدين وخط أنابيب للغاز النفطي المسال. وقد قالت سابقًا إن المناقصات ستكون مفتوحة أمام شركات من أي بلد. لكن إذا تقدمت شركة صينية بأكثر العروض تنافسية، فستتعرض الهيئة لضغوط لإيجاد طرق «مبتكرة» لرفضه، أو المخاطرة بإغضاب الولايات المتحدة من جديد.

رجل لديه خطة
إن القبض على الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو والتهديدات المقلقة لسيادة غرينلاند تسترعي انتباه العالم، لكن الضغط الذي يمارسه ترامب على بنما أكثر صلة ببقية الأميركيتين. فالدول الصغيرة هشّة. والولايات المتحدة تريد الآن نصف كرة غربيًا «خاليًا من أي توغل أجنبي معادٍ أو امتلاك أجنبي لأصول رئيسية». وقد تصبح بنما نموذجًا يُحتذى. ويشير توماس سوكري أولوّا، محامٍ بنمي يتابع القضية، إلى أن كثيرًا من الساسة البنميين الذين دافعوا سابقًا عن «سي كيه هاتشيسون» باتوا اليوم يهاجمونها بينما الولايات المتحدة «تتنفس في أعناقهم». ويقول: «القانون لم يتغير، بل المناخ الجيوسياسي هو الذي تغيّر». ■





