العالمالعراق

“عالم من بلادي”.. بين الهندسة والطب… عبقرية صنعت معجزة الكبد الصناعي..

    بقي في بريطانيا، وسعى للحصول على منحة دراسية أخرى في المجال الذي يريده، بيد أن السبيل كان مغلقاً أمامه، فعمل في مطعم الكلية نفسها، وفي العطل الصيفية كان يبيع الحلويات والمرطبات على الشواطىء، ليوفر مصروفات المعيشة والدراسة، ولكن بعد سنتين ولتفوقه في دراسة الطب بجامعة (الكلية الملكية)، والأبحاث التي قدمها للجامعة بالاضافة إلى فوزه بخمس مسابقات الكلية العلمية، المسابقات المقررة، مما أثار دهشة الأساتذة و الطلبة، قاده ذلك للحصول على منحة دراسية ومكافأة مالية من الجامعة، وبذلك انزاح عن كاهله ثقل تكاليف المعيشة والدراسة، فتمكن من التخرج في جامعته بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف في عام (1961).

     ولكن كان طموحه أكثر من أن يكون طبيباً، فالتحق بقسم التشريح والابحاث العلمية بجامعة (نيوكاسل). وفي ظرف سنتين قام بوضع أبحاث وإجراء تجارب عديدة في هذا المجال، ثم أكمل تدريبه في طب الجراحة العامة في مستشفى الجامعة. وهكذا، في عام  (1966) بدأ رحلته مع زراعة الأعضاء بعد حصوله على الشهادة العليا في الجراحة، وعلى الزمالة الجراحية، وعُيّن تدريسياً في جامعة (نيوكاسل) التي لا يسمح لغير البريطانيين بالتدريس فيها، فكان أول أستاذ من غير البريطانيين تُعهد إليهِ مثل هذه المهمة. وبدأت أبحاثه العلمية تتركز على ثلاثة محاور الأول زراعة الكلى والثاني زراعة الكبد والثالت خزن الأعضاء بعد أخذها من جسم بشري، وكان هذا العلم حديث العهد في ذلك الوقت.

      ذلك، هو الطبيب البروفيسور جورج منصور أبونا، أحد أبناء ناحية القوش العريقة، التي تبعد عن محافظة نينوى ب(30)كم، ولد فيها عام 1932 ميلادية، وانتقلت أسرته وهو تلميذ في مدرسة مار ميخا في مرحلة الثاني الإبتدائي،للعيش في بغداد حيث أكمل تعليمه الاعدادي فيها عام (1950)، وحصل على منحه دراسية إلى بريطانيا، لتفوقه في امتحانات الدراسة الاعدادية. ولكن كانت أول صعوبة تواجهه في حياته هي الحصول على كفيل، يكفله لمواصلة دراستة في انكلترا وفق القوانين السائدة في الدولة آنذاك، وهو ابن عائلة فقيرة، غير أن الشرفاء من أبناء القوش وقفوا معه بمساعدة المرحوم الوالد، فتمكن من تجاوز هذه المحنة التي كادت أن تؤدي إلى عدم سفره.  

     مع كل الأسف، قدم إلى بلده العراق في السبعينات من القرن الماضي وكله  أمل وشغف بتأسيس مركز لزراعة الكلى ولكن أنصدم عندما رفضت وزراة التعليم العالي و وزارة الصحة طلبه، بحجة أن الحكومة العراقية ارسلته لدراسة الهندسة، عليه أن يمارس في مجال الهندسة وليس الطب، لم تثنِ  محاولاتهالحثيثة بإقتاع الوزارة بجدوى تأسيس هكذا مركز في العراق ، مما اضطر إلى المغادرة، والذهاب إلى الكويت في عام 1978 وافتتح في جامعة الكويت قسماً و مركزاً لجراحة وزرع الأعضاء، وكان الأول من نوعه في المنطقة. وكان ينقل الكلى من أقارب ذوي المصابين بهبوط مزمن في وظائف الكلى إلى المريض، بسبب عدم وجود قانون التبرع بالأعضاء من المتوفين دماغياً في ذلك الحين في الكويت.  

       عمل في الكويت لمدة (12) عاماً وصادف وجوده مع عائلته  في الولايات المتحدة الامريكية اثناء دخول القوات العراقبة للكويت عام (1991) فمكث هنالك للعمل في جراحة نقل الأعضاء. زار خلال مكوثه في الكويت الدول العربية التالية: لبنان وسوريا وتونس والمغرب و الجزائر والسوادن لغرض تأسيس مراكز زراعة الكلى وتدريب جراحي هذه الدول، وأجرى عمليات زراعة الكلى في هذه الدول دون مقابل مادي.

      وبالأخص لهؤلاء المحتاجين لانه قد عاش وعانى مثلهم حياة الفقر والفاقة، والجدير بالذكر هنا أن أشير كان شرطه على جامعة الكويت عند فتح المركز فيها، أن المريض العراقي الذي يأتي إلى المركز يكون علاجه مجاناً، عندما يكون للمريض متبرعاً  للكلى، اذكر انا شخصياً أرسلت أكثر من صديق اليه وتم علاجهم  على نفقة الحكومة الكويتية.

       البروفيسور جورج أبونا من مؤسسي البورد العربي للجراحة، كان يأتي الى العراق بين فترة واخرى لإجراء امتحانات البورد العربي للأطباء العراقيين والعرب، وهو مخترع جهازا الكبد الصناعي المؤقت، موظفاً دراسته الهندسية في الطب، فدمج خبرته في الهندسة والجراحة لاختراع هذا الجهاز ليكون بديلاً مؤقتاً عن الطبيعي، وكان أول مرة في تاريخ الطب يدخل هذا  الجهاز في الجراحة الذي تم على يده، وهو جهاز آلي يحل محل الكبد في حال استئصاله، وجربه على عدد من المرضى،وكانت العمليات ناجحة، فنشرت مجلة طبية بريطانية مشهورة الجهاز وطريقة عمله.

     وفي إثر ذلك دعي أستاذاً زائراً لعدة جامعات علمية في سويسرا وهولندا واستراليا والمانيا ليشرح طبيعة عمل هذا الاختراع ويدرب الأطباء عليه، وكذلك دفع أشهر الأطباء للأتصال به للعمل معه، ومن بينهم الرائد الأول في زرع الكلى توماس ستارزي. وفي عام (1970) تم أستدعاؤه للعمل في أميركا مع الجراح ديفيد هيوم الذي كان أول طبيب لزرع الكلى في ولاية فيرجينيا.

      واشترك معه في زراعة الكبد وحفظه، وذلك في استعمال الكبد الصناعي، ونجحا في ثماني حالات ميئوس منها تماماً. وعلى أثرها أجرت معه مجلة (تايم) الأمريكية الشهيرة مقابلة كانت في حينها حدث الموسم. وفي عام (1974) ذهب للعمل في جامعة (كالكيري) الكندية بناءاً على طلبهم لتأسيس أول قسم لزراعة الأعضاء. وهنالك قام بعمليات كثيرة وصل عددها (11) عملية في اسبوع واحد أما المرضى فكانوا من جميع أنحاء العالم.

     في عام (1975) ركز جهوده في موضوع الكبد، نقل الكبد من إنسان إلى آخر، وكانت هذه الجراحة نادرة في العالم. فتدرب مع الأطباء في كندا وأجروا أول عملية زرع كبد هنالك عام (1978)، فكان حدثاً طبياً فريداً احتل اسم البروفيسور الطبيب جورج أبونا المكانة الاولى في أخبار الاذاعة والتلفزيون والصحف.

     وواصل اهتمامه وتجاربه من أجل تطوير الكبد الصناعي، فأجرى أبحاثاً كثيرة على الحيوانات من أجل معرفة سبب الغيبوبة والنزف اللذين يصيبان مرضى الكبد، فتم التوصل إلى أختراع جهاز يعالج مرض الكبد ويجنبهم الاعراض المذكورة. وقد انتشر هذا الجهاز بعد ذلك في أنحاء العالم.  

     في عام (1983) أجرى أول عملية زرع النخاع العظمي في الشرق الأوسط التي تكللت بنجاح باهر، وفي عام (1988) بدأ إجراء  عمليات زرع البنكرياس لمرضى السكري وخلال عشر سنوات اجرى أكثر من 20 عملية لزراعة البنكرياس .وفي عام (1989) قام باجراء (74) عملية زرع الأعضاء كلى،بنكرياس، كبد. وفي عام (1990) تمكن في عملية واحدة من زرع كلى وبنكرياس لشخص واحد أستغرقت تسع ساعات، وكانت أول عملية من نوعها تجرى خارج أوربا وأمريكا.

     ومن عام (1994) لغاية عام (1998) تولى منصب عميد كلية الطب في جامعة الخليج، مملكة البحرين بناءاً على طلب أمير البحرين آنذاك عيسى بن سلمان . وقاد فريقاً طبياً في أول عملية زراعة كلى هنالك، أجريت في المستشفى العسكري، وبعدها أجرى هنالك نحو (85) عملية زراعة ونقل الاعضاء خلال الأربعة الاعوام التي قضاها في البحرين في مركز العيسى لزراعة الأعضاء. كما ساهم في كتابة تشريع ينظم قانونياً عملية زراعة الاعضاء الذي تم إصداره عام (1998) وتعد البحرين من أوائل الدول العربية التي شرعت عملية التبرع بالاعضاء قانونياً من المتوفين دماغياً. وقد استفادت دول مجلس التعاون الخليجي في عمل قوانين مشابهة لها.  

     حصل على عدة جوائز وأوسمة فخرية من محافل دولية أهمها في عام (2000) منح البروفيسور العبقري جورج أبونا جائزة المدالية الذهبية التي تعرف بجائزة(ألبرت شفايتزر) من مؤسسة يوهان جوته في بازل – سويسرا. وهو أول شخص يمنح هذه الجائزة في أمريكا من هذه المؤسسة.  

   وهكذا كان البروفيسور جورج أبونا طبيباً عبقرياً ينتقل بين قارات العالم من بلد إلى آخر مدعواً من قبل الجهات العلمية والصحية ليواصل مآثره الطبية العظيمة.  

    ولكن ، غيب الموت هذا العبقري عن عمر ناهز (83) عاماً بولاية بنسلفانيا الامريكية في عام (2016) ، تاركاً علماً غزيراً في مجال الزراعة ونقل الأعضاء، بعد أن انجز (800) دراسة ما بين كتب وتقارير في اختصاص زراعة الأعضاء، وأجرى عدداً كبيراً  من العمليات لزراعة الأعضاء الناجحة في مختلف الدول العالم.  

      هذا مختصر لجولة صغيرة في رحاب هذا العبقري الفذ الذي يستحق أن يقال عنه أنه خدم البشرية بخبرته في مجال نقل الأعضاء، وبالاخص الكلى بالذات، والذي ليس فقط فقدته عائلته وعشيرته آل أبونا بل فقده العالم وطلاب علم الجراحة والطب عموماً. كان انساناً بسيطاً وعبقرياً بعمله لم يكن للمال مكانة عنده، ولا طمعاً كان له به، ولم يسعَ يوماً لطلب الشهرة بل كان مشهوراً بعلمه وأخلاقه وأدبه وأنسانيته، كان هادئاً متواضعاً، ترك هذا العالم الفاني كما دخله بطيبته ودماثة خلقه وأنسانيته التي لا تقل عن إنسانيته أي قديس على مذبح الرب.  

المصادر:  

-سفر القوش الثقافي، للمؤلف بنيامين حداد.

-مجلة عينكاوا  الالكترونية، نعي للكاتب يعكوب أبونا.

-لقاءات صحفية مختلفة، مع البروفيسور جورج أبونا.

مقالات ذات صلة