رأي

هل بدأت واشنطن هندسة “التشيّع الرأسمالي” وإزاحة الإسلام السياسي الشيعي؟

فالديمقراطية لا تستقيم بلا معارضة برلمانية فاعلة تمارس الرقابة والمحاسبة وتقوّم المسار السياسي، إلا أن المحاصصة السياسية أوجدت معادلة مختلفة: الجميع شركاء في الحكم والجميع شركاء في الإخفاق أيضًا. ومع مرور الوقت، راق هذا النموذج للأحزاب والقوى السياسية؛ لأنه ضمن استمرار وجودها وحافظ على حصصها ومواقعها ونفوذها داخل المشهد السياسي، حتى تحولت الدولة إلى منظومة تقاسم مصالح أكثر منها نظامًا ديمقراطيًا حقيقيًا.

       وفي المقابل، تقوم الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية الغربية على فلسفة مختلفة تمامًا؛ إذ تمنح رأس المال دورًا محوريًا في صناعة القرار السياسي . ففي كثير من تجاربها الحديثة أصبحت النخب الاقتصادية ورجال الأعمال أصحاب التأثير الأكبر في رسم السياسات العامة، بما ينسجم مع رؤية اقتصادية تجعل السوق والمال مركز الحركة السياسية.

      وفي هذا النموذج تصبح الفئات الفقيرة والكادحة أقل تأثيرًا في صناعة القرار، ويُنظر إليها بوصفها أدوات إنتاج واستهلاك ودافعي ضرائب أكثر من كونها فئات اجتماعية تتطلب الرعاية والعدالة والحماية الاجتماعية. ومن هنا يظهر خطر هيمنة رأس المال على السياسة، حين تتحول الانتخابات إلى منافسة مالية لا سياسية، ويصبح النفوذ الاقتصادي الطريق الأقصر للسلطة.

     وعبر التاريخ، كانت الطبقات الحاكمة تخشى قوتين أساسيتين: العسكر ورجال الأعمال. فالعسكر يمتلكون القدرة على التغيير بالقوة والانقلابات، بينما يمتلك رجال الأعمال أدوات الهيمنة الهادئة عبر النفوذ المالي والسياسي. وربما يبدو النموذج الثاني أكثر انسجامًا مع الرؤية الأمريكية الحديثة التي تفضل التغيير الناعم على أدوات الضغط الخشنة.

     ومن هنا تبرز فرضية سياسية مفادها أن الولايات المتحدة، بعد أن عجزت لسنوات عن إحداث تغييرات جذرية في الطبقة السياسية العراقية عبر العقوبات والضغوط والفيتوات السياسية، انتقلت إلى أدوات أكثر هدوءًا وأقل صدامًا؛ أدوات تعتمد على إعادة تشكيل بنية الحكم من الداخل.

      ولعل أكثر أدوات هذا التحول هدوءًا وتأثيرًا لا تكمن في الدبلوماسية أو الخطاب السياسي، بل في الاقتصاد والنظام المالي ذاته. فاليوم لا تمثل القوة العسكرية الأمريكية الأداة الأكثر تأثيرًا في العراق بقدر ما يمثل الدولار، والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وآليات الرقابة المالية ومنصة البنك المركزي الإلكترونية أدوات ضغط وإعادة تشكيل أكثر فاعلية. فهذه الأدوات لا تغيّر الحكومات مباشرة، لكنها تعيد رسم البيئة التي تتحرك داخلها القوى السياسية والاقتصادية.

     ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الإجراءات التي استهدفت عدداً من المصارف العراقية والعقوبات التي فُرضت عليها، فضلًا عن إخضاع النظام المصرفي العراقي لمعايير الامتثال المالي الصارمة المرتبطة بوزارة الخزانة الأمريكية. فهذه الإجراءات لم تكن ذات أبعاد مالية بحتة، بل يمكن النظر إليها ـ وفق هذه الفرضية ـ بوصفها جزءًا من عملية إعادة تنظيم لمصادر النفوذ السياسي والاقتصادي، عبر تجفيف أو تقييد شبكات المال التقليدية المرتبطة ببعض قوى الإسلام السياسي الشيعي، وفتح المجال تدريجيًا أمام أنماط جديدة من رأس المال الأكثر انسجامًا مع النظام المالي العالمي والرؤية الغربية.

     فالولايات المتحدة ـ بحسب هذه القراءة ـ لم يكن خيارها الأول بعد عام 2003 هو الإسلاميون الشيعة، لكنها وجدت فيهم الغطاء والشرعية المحلية لإدارة مرحلة ما بعد سقوط النظام، خصوصًا بعد الجدل الدولي الواسع حول شرعية الحرب نفسها. إلا أن استقرار النظام السياسي بعد عقدين تقريبًا قد يكون فتح الباب أمام مرحلة جديدة: مرحلة إعادة تشكيل الطبقة السياسية بصورة مختلفة.

      ويبدو أن هذه العملية ـ إن صحت ـ تسير بطريقة لا تستفز البيئة الشيعية، وذلك عبر الدفع بشخصيات من داخل المكون الأكبر نفسه، لكن من خلفية اقتصادية وتجارية أكثر من كونها أيديولوجية أو حزبية عقائدية.

      وهنا يعيد التاريخ نفسه بطريقة مختلفة؛ فبريطانيا عند تأسيس الدولة العراقية عام 1921 منحت السلطة لفئة محددة وأبقت أخرى بعيدة عن مركز القرار السياسي مع فتح أبواب النشاط الاقتصادي أمامها. واليوم قد يتكرر المشهد بصورة جديدة، لكن بأدوات أمريكية مختلفة، قائمة على إدخال رجال الأعمال إلى قمة هرم السلطة، وإحلال ما يمكن تسميته بـ”التشيع الرأسمالي” محل “التشيع الثوري السياسي”.

       إلا أن هذا التحول لا يكتمل بمجرد تغيير النخب أو إعادة توزيع النفوذ المالي؛ إذ يحتاج إلى مأسسة سياسية واقتصادية تمنحه شرعية الاستمرار. وهنا يمكن فهم تصاعد الحديث عن الخصخصة، والشراكات الاستثمارية الكبرى، ومشاريع التنمية العملاقة، بوصفها ليست مجرد أدوات اقتصادية فحسب، بل جزءًا من بنية فكرية وسياسية جديدة تعيد تعريف دور الدولة نفسها، من دولة راعية ومشغِّلة إلى دولة منظمة للسوق وقائدة للاستثمار.

      وقد تجد هذه الفكرة قبولًا لدى قطاعات من الجمهور، خاصة مع تراكم الإخفاقات والفساد والصراعات التي رافقت تجربة الأحزاب الإسلامية الشيعية خلال العقدين الماضيين. وهي إخفاقات ترسخت في ذاكرة الشارع العراقي وأصبحت تُستثمر سياسيًا لإقناع الرأي العام بضرورة التغيير.

     وإذا صح هذا السيناريو، فإن الخاسر الأكبر قد يكون القوى التقليدية في الإطار التنسيقي، التي ربما أسهمت ـ بقصد أو دون قصد ـ في تهيئة البيئة لهذا التحول، عبر القبول بتسويات ومسارات قد تكون منسجمة مع الرؤية الأمريكية أكثر مما تتصور.

     وعندها ستتغير المعادلة تدريجيًا وعلى نار هادئة: من ديمقراطية تقودها أحزاب شيعية ذات طابع أيديولوجي ومقاوم، إلى ديمقراطية بأدوات اقتصادية ورأسمالية تقوم على الخصخصة والسوق المفتوح وهيمنة المال السياسي.

     وبتحقق هذا التحول تكون واشنطن قد أنجزت هدفين استراتيجيين كبيرين: الأول، ربط العراق اقتصاديًا وسياسيًا بالمنظومة الغربية وإبعاده عن المحور الإيراني ومحور المقاومة؛ والثاني، استبدال الإسلام السياسي الشيعي المقاوم بطبقة سياسية جديدة أقرب إلى مفاهيم الاقتصاد الحر والرؤية الليبرالية.

        ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مشروع تغيير أمريكي ناعم يعيد تشكيل العراق سياسيًا واقتصاديًا؟ أم أن ما يجري ليس أكثر من تحولات طبيعية فرضتها أخطاء الطبقة السياسية نفسها؟

مقالات ذات صلة