عشرة لقاءات مع صدام حسين (10):ضربة شمس..



كان اليوم هو الاثنين والوقت منتصف النهار. لماذا أتذكر بالضبط ذلك التاريخ ؟!
قال أحد الحزبيين الذين أمرهم صدام بمغادرة قاعة الخلد المشؤومة وهو على أبواب أن يغادرها : لم أفهم جيداً ما الذي تقصده يا سيدي فاليوم هو الاثنين وندوة التطوع التي رأسها الرفيق طه ياسين رمضان كانت قد عقدت في يوم الجمعة مساءً, فهل يشمل قرار الفصل أولئك الذين تطوعوا ما بعد يوم الجمعة الفائت وقبل الاثنين الحالي !!
نظر صدام الذي كان يرتدي بدلة المهيب إلى ساعته, وبعد أن تأمل وجه رفيقه سعدون شاكر عضو القيادة القطرية والمسؤول عن مكتب تنظيم بغداد الجالس على المنصة إلى جانبه, مد عنقه بإتجاه المتسائل قائلاً:
الساعة الآن الثانية عشرة ظهراً واليوم هو الاثنين. الذي قصدته هو: إنّ كل من لم يتطوع بالتحديد حتى هذه الساعة من هذا اليوم عليه أن يغادر القاعة ويعتبر نفسه مفصولاً من الحزب.

وبما أن ذلك الرفيق الحزبي كان تطوع بعد الجمعة وقبل ذلك التاريخ الذي حدده الرئيس لذلك أخبر الجندي الذي سحبه من ياقته : أتركني رجاءً لأنني متطوع حسب ما يقوله السيد الرئيس.
بالنسبة لي بقيت في مقعدي في الصف الثالث إلى يسار قاعة الخلد إذ كنت تطوعت صباح السبت الذي سبق الاثنين بتقرير مكتوب قمت بتسليمه إلى عضو قيادة فرع الأعظمية السيد مجيد العايد، إذ كنا نعمل معاً عضويْن متفرغيْن في مكتب الطلبة والشباب في القيادة القومية. وبينما كان أكثر من مائتين من أعضاء قيادات (الفِرَق والشُعَب) من غير المتطوعين يهمّون بمغادرة القاعة صاح الرئيس:
اسمعوا .. إن كل من سيتحدث عما جرى في هذه القاعة سوف أشطره بالسيف إلى أربعة أقسامٍ متساوية !!!
لماذا قرر الرئيس أن يشطر قيادات حزبه إلى أربعة أقسام متساوية وليس إلى قسمين ؟ ولماذا استعمال السيف وليس البندقية الطشاري ؟ إنها النزعات السادية المخزونة في الوعي وفي اللاوعي: أَرئيساً كان عندنا أم جزاراً ؟!
إنها الجريمة بالجملة كما سيحدث لاحقاً يوم قررالرئيس إعدامَ ما يقارب من السبعين تاجراً بعد محاكمة صورية ثم يصدر عفواً عن نصفهم الآخر في اليوم التالي ليكون كما ربُّ إبراهيم : يُحيي ويميت أيضاً.
أما المطرب (صلاح البحر) فأكمل بعدها الصفات الربوبية لرئيسه حين غنى له بعد ذلك متسائلاً : (الشمس منين تطلع ؟) ليجيب نفسه منتشياً (تطلع من العوجة !!) وهو بذلك جاء له بالشمس من جهة المغرب بدلاً من جهة المشرق.
أرأيتم قباحةً أكبر من هذه ؟!
نظرت إلى يمين القاعة حيث جلس الحزبيون من غير المتطوعين, ثم رأيت الجند المحتشدين وهم يسوقونهم إلى خارجها بعد أن صاح الرئيس بأعلى صوته : إطلعوا من القاعة وكونوا بإنتظار القرار الذي تصدره القيادة بحقكم.
أما أنا المتطوع قبل يومين من الموعد الذي حدده الرئيس كحد أقصى فقد بقيت في مكاني حتى آخر اللقاء الذي استمر لأكثر من ساعة. نظر نحوي (سعدون شاكر) رفيق الرئيس وقائد مخابراته ووزير داخليته وعضو قيادته القطرية الذي كان يجلس على المنصة إلى يمين الرئيس ثم مال يهمس في اذن قائده : سيدي لعلمك، إن جعفر المظفر أيضاً غير متطوع ومن الضروري ان يلتحق بجماعته.

لكن الرئيس لم يوافِقْه اقتراحُ (سعدون)، أنْ أخرج مع الخارجين, بل سمعته من مقعدي القريب جداً من المسرح الذي نصبت عليه منصة الاجتماع الطويلة: دعه يجلس الآن.
ثم انطلق الرئيس يتحدث ويتحدث بعد أن أقسم لمن طردهم من القاعة أنه سوف يشطرهم بالسيف إلى أربعة أقسام متساوية أن هم كشفوا لأحدٍ أسرارَ ذلك اليوم, وذكر كعادته كيف أننا المنتصرون لا محالة في الحرب مع العدو الفارسي.
لكن سيظلُّ أكثر ما صعقني من حديثه:
أقول لكم .. لقد بتُّ على أبواب أن أمسك الشمس بيدي.
لا أدري ما الذي انتابني في تلك اللحظة. شعرت أن الرجل يمر في لحظة غيبوبة ! تذكرت هارون الرشيد مع عظمة امبراطوريته وكيف اكتفى بمخاطبة الغيمة المسرعة التي عبرت فوقه رأسه في سماء بغداد بقوله : أمطري حيث شئتِ، فخراجك لي.
أما رئيسنا فلم يكتفِ بما قاله الرشيد في عصره التليد إذ ها هو, وكصاروخ عابر للسحب والكواكب, لا يكتفي بالحديث مع تلك السحب بل سمعته وهو يخاطب الشمس مباشرة في وقت كانت فيه الخطوط العراقية على جبهة القتال على أبواب أن تتداعى الواحدَ تلو الآخر أمام هجمات الجيش الإيراني.
ودون أن أدري ومن غير أن أشعر، رأيتني أنزلق في مقعدي لأخفي نفسي عن الحاضرين حتى لكأنني أنا الذي ارتكبت تلك الهلوسة التي لا يصل إلى غيبوبتها حتى أكثر الموغلين حماقة وجنوناً في عشق الذات.
بعد أيام من تلك الندوة الخارقة الحارقة، منح الرئيس الإذن ببث شريط الندوة المصور، عبر تلفزيون بغداد ناسياً تهديده بشطر كل من يأتي على أسرارها إلى أربعة أقسام متساوية.
ترى لماذا لم يقدم الرئيس, الذي أمسك الشمس بيده, على شطر نفسه مع المشطورين.
أم تراها ضربة الشمس هي التي أنسته ذلك ؟
انتهت سلسلة المقالات





