تحقيق

(15) نقش في الحجر: فيضانٌ بطعم العسل..!!

     ما زلت أتذكر المحل الصغير جيداً وصاحبه الذي بالكاد يُلبّي طلبات زبائن يتكدسون أمامه على الرصيف بين مشتهٍ للگيمر وآخر يشير الى قوالب الجبن الأبيض، مستعيناً بـ “الصّانع” الشاطر الذي تمرّس على حفظ رغبات كل واحد من أولئك الذاهبين الى أعمالهم في الساعات الأولى من صباحاتٍ بدت فيها بغداد باسمة مطمئنة..نديّة أيضا، لكنها لم تعد ترتجف برداً ولا تشكو قلقاً مما أصابها، بعدما تجاوزت خطراً كان يحدق بها، وكأني بلسان حال الجميع يهتف: “برداً وسلاماً دار السلام“!!

      أستعيد تلك الوقائع الآن بذاكرة طرية رغم أنّ صاحبها في وضع نفسي مرتبك اضطره الى إعادة صياغة الكلام عن بلاد تشكو الجفاف والعطش، لكنها لا تعرف كيف تجني الخير من أمطار أغرقت مدنها وقراها. فقد اقترنت واحدة من زياراتي المبكرة الى بغداد وأنا تلميذ في الابتدائية بـ”زمن فيضان”. هكذا كانوا يأتون الى ذكر الأحداث في تلك الأيام. لا بُدَّ وأنه العام 1954، شتاؤه أو ربيعه. وأحاديث الناس في القطار، كما هنا في العاصمة وكل مكان، تدور حول جهود جبارة، بُذلت للسيطرة على ثوران أنهر العراق وجداوله وبحيراته، وفي مقدمتها “دجلة” الذي بدا صاخباً جميلاً عند كل مكان مررنا به في رحلة القطار النازل من الموصل.

     ويومها، تمكن ذهني الفضولي الصغير من التقاط بعض أمور تشبه الومضات الخاطفة عن مساهمة الجيش والشرطة مع المدنيين في درء كارثة متوقعة تهدد مدناً عراقية وأولها بغداد، يتذكرها الكثيرون من عارفي تاريخ البلاد جيداً، مثلما يتذكرون “أنهم” علَّمونا منذ الصغر أنّ الجيش يمكن أنْ يكون للبناء والإعمار أيضاً. كما عرفتُ أنْ الملك فيصل الثاني تبرّع بسيارته “المرسيدس” لبيعها والتصرف بثمنها للمساعدة في إغاثة المتضررين. وتجدون رفقة هذه الاستذكارات صورةً لمعلومات أرشيفية تتحدث عن التفاصيل..

      ولكلمة “الإعمار” وحدها رنين خاص في ذاكرتي، تشبه وهجاً انغرس في روحي مثل شتلة زاهية كبرت معي بمرور الوقت. اذ كنا عند زيارتنا البغدادية تلك نسكن في “بارا” القرية الايزيدية النائية التابعة لقضاء سنجار التي تعيَّن أبي لإدارة أول مستوصف “ملكي” يفتتح فيها مطلع الخمسينات، مع مدرسة جديدة وبيوت حديثة للموظفين والمعلمين.

     وكان بعض خبراء الإعمار من العراقيين والأجانب وبينهم سيدة شقراء، يمرون لزيارتنا لماماً لينالوا قسطا من الراحة ويتناولوا وجبة طعام في بيت”الدختور”. ومنهم كنت أسمع كلاماً عن مستشفيات وكليات ومدارس وطرق وجسور وقنوات إرواء وخزانات وبحيرات وسدود “يشيدها” “مجلس الإعمار” في أرجاء بلاد ناهضة تريد الكثير، مستفيدة من ثرواتها البشرية والطبيعية التي يمكن أنْ تنقلها الى مستقبل عظيم.

    وزيارتنا هذه أتاحت لي الاطلاع المباشر على بعض المواقع مع طلوع النهار، جعلت الصورة أكثر وضوحاً لما يجري هناك. ألمحها بنظرات سريعة خاطفة عبر نوافذ القطار، مثل انتشار المساحات الكبيرة المغمورة بالمياه، ونشاط حركة السيارات الضخمة والمعدات الزراعية وأكياس الرمل التي يتم نقلها وتكديسها، وغيرها من الصور التي جعلتني أُدرك أنّ بإمكاننا أنْ نجني الكثير من بناء السدود وإنشاء البحيرات لخزن المياه الفائضة التي تَمّنُ علينا بها سماء سخية كريمة..

     وصرتُ من ذلك التاريخ، أُصغي بتركيز أكبر لكل متحدث عن أهمية مشاريع كهذه، وفي مقدمتهم “رفاق الرحلة” أبي وخالي الكبير بطرس بوداغ المعلم الآتي من قرية “بارا” ذاتها وخالي الأصغر جميل الطالب في كلية الزراعة الذي صادف وأنْ كان عائداً الى بغداد ليصبح رفيقنا الرابع في رحلتنا الطويلة “المدهشة” التي عشنا فصولاً مضحكة فيها خلال الليلة الفائتة.

      فقد اعتاد معظم ركاب قطارات زمننا ذاك على الاستسلام لغفوة أو غفوات قصيرة على مقاعدهم الخشبية التي لا تكف عن الاهتزاز مع هدهدات “الرّيل” الليليّ الماضي بصرير عجلاته ونفثات دخانه وزئير صافراته، مخترقا المرتفعات والسهول. لكن “الشاطر” هو من “يظفر” بفراغ فوق الرفوف المخصصة لحقائب المسافرين وأحمالهم التي قد يلجأ الى تزحيفها دون اكتراث لأيِّ وازع، كي يؤمِّن لنفسه “سريراً” مريحاً ونوماً هانئاً مهما كان الثمن!!

     وكان الثمن هذه المرة، تهشّم قارورة زجاجية تحوي عسلاً خالصاً وضعناها في “زنبيل” مع قلائد من التين المجفف اشتهرت به قرية “بارا” ومناطق سنجار الجبلية، اعتاد أبي أنْ يقدمها “صوغة” للاقارب والاصدقاء كلما نزل الى بغداد أو الموصل أو القوش.

    سال العسل بطيئاً من فوق الرفوف و”هطلت” قطرات منه على وجه مسافر نائم على أحد المقاعد، ليبلغ بعضها شفتيه اللتين راح يلحسهما بلسانه مستمتعاً بحلم جميل، لم يفق منه الا على ضحكات متفرجين امتلأ بهم “الفارگون”، فازوا بمشهد لا يتوفر الا في أحسن الافلام الكوميدية، وتَندَّرنا به بعض الوقت وسط استغراب الواقفين على الرصيف اثناء تناول فطورنا من “الگيمر” والعسل الذي لا أ‌‌ميل اليه كثيراً، لكن الحادثة تظل تلوِّح الى مخيلتي وكأنها تذكار غريب أو هدية ثمينة من زمن بعيد مليء بالعبر والدروس.

مقالات ذات صلة