ليس دفاعاً عن “علي بدر” و”دار الكا”..



يمكن فهم التحامل والهجوم على الروائي والمترجم العراقي علي بدر وعلى دار نشر الكا ضمن سياقٍ ثقافيٍّ أوسع، يتجاوز الأشخاص والمؤسسات؛ ليطال بنية المشهد الثقافي العراقي على وجه الخصوص.
إن الهجوم على دار نشر الكا قبل التأكد من مصداقية ما نشرته أو عدمها من إدارة الدار نفسها، ليس دفاعاً عن القيم، بل إعدامٌ للنقاش قبل أن يبدأ. فالاتهام المسبق، دون تمحيص أو انتظار ردّ الجهة المعنية، يعكس خوفاً من الفكرة لا حرصاً على الحقيقة. فحين تتحول الشبهة إلى إدانة، يفقد الخطاب الثقافي نزاهته، وتصبح العدالة ضحية أولى للانفعال والضجيج.
وليس جديداً على المشهد الثقافي العراقي أن يتحوّل النجاح إلى “تهمة”، والاختلاف إلى ذريعة، والاجتهاد إلى هدفٍ سهلٍ للتشهير. فكلّما برز اسمٌ فاعلٌ ومؤثّر، خصوصاً في مجالات الرواية والترجمة والنشر، استنفر ضده “حراس الوهم”، وسماسرة “النقاء الثقافي”، وأوصياء الذائقة.
في هذا الإطار، يمكن قراءة الحملة التي استهدفت الروائي والمترجم علي بدر، ومعه دار نشر الكا، لا بوصفها نقاشاً نقدياً مشروعاً، بل كامتدادٍ لثقافة التحامل والتسقيط التي اعتادت أن تُلبس ثوب الأخلاق أو الوطنية أو “الدفاع عن الذوق العام”، بينما جوهرها الحقيقي هو الخوف من المختلف، والضيق بالحرية، والعجز عن مجاراة من يعمل خارج القطيع.

علي بدر ليس اسماً طارئاً على السرد العراقي أو العربي. فمشروعه الروائي، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، قائم على مساءلة التاريخ الثقافي والسياسي، وعلى تفكيك الأساطير التي أحبّها كثيرون لأنها تمنحهم شعوراً زائفاً بالعظمة. وهذا وحده كافٍ ليستفز من اعتادوا التعايش مع السرديات الجاهزة، بلا تفكير فيها ولا نقد. أما في حقل الترجمة، فقد فتح الرجل نوافذ على نصوص وإشكاليات فكرية لا ترضي أنصار الانغلاق ولا دعاة الاكتفاء بالذات.
واللافت أن كثيراً من هذا الهجوم لا يستند إلى قراءة دقيقة للحدث نفسه ولا للنصوص، ولا إلى نقد منهجي واضح، بل يقتصر على اقتطاع انتقائي، وتأويل سيّئ النية، وتضخيم لعناوين جانبية، ثم إطلاق أحكام أخلاقية أو اتهامات فضفاضة. وهو سلوك يعكس أزمة نقد حقيقية، حيث حلّت منصات التواصل محل المجلات الثقافية، والشتيمة محل الحجاج، والتشهير محل الاختلاف الخلّاق.
إن الدفاع عن علي بدر أو عن دار نشر الكا لا يعني تبني كل ما يكتب أو يُنشر، بل هو دفاع عن حق الاختلاف، وعن حرية الكاتب والناشر في خوض مناطق إشكالية، وعن فكرة بسيطة لكنها جوهرية:إنّ الثقافة لا تتقدم بالتصفيق الجماعي، بل بالأسئلة المزعجة، وبالأصوات التي ترفض الطمأنينة الزائفة.
في المحصلة، ما يُهاجَم اليوم ليس شخصاً ولا دار نشر فحسب، بل فكرة أن يكون للأدب دورٌ نقديّ، وأن تكون للترجمة وظيفة تنويرية، وأن يظلّ المثقف حراً، حتى وهو يدفع ثمن حريته حملاتٍ من التحامل وسوء الفهم.





