صدام وحديثه عن عبدالخالق وناظم كزار “القسم الثالث والأخير”..




ولكي يعرف القول من القائل سأقول, إنني كنت من المجموعة الأقرب لعبدالخالق وذلك بحكم عملي معه لأربع سنوات كاملة, فلقد كانت غرفتي في المكتب الثقافي الذي كان يرأسه ملاصقة تماماً لغرفته, وحظيت بشرف الدخول إلى داره عدة مرات وذلك بعد أنْ كان يطلب مني نقله في سيارتي إلى شارع السعدون أو شارع الرشيد للمشي معاً هناك قبل إيصاله إلى الدار. كان الرجل بسيطاً في كل شيء, المقاعد الخشبية المشابهة لتلك المستعملة في مقاهي العراق الشعبية, الوالدان اللذان يشعرانك بالأبوّة, والسامرائي نفسه الذي يقوم لعمل الشاي ومن ثم تقديمه لك بكل التواضع!.

كل شيء كان أشعرني بالمودة والألفة, وقد قالت لي والدته ذات مرة أن ابنها كان يعتبرني مثل أخيه الأصغر, ولربما أرادت السيدة الفاضلة ان تشرح لي لماذا أدخلني ابنها إلى بيته مرات ومرات, ومع كل ذلك فإن السامرائي (ملك التعبئة-كما ادَّعى صدام) لم يتحدث معي, أنا الأقرب إليه كأخيه, ولو بكلمة واحدة ضد البكر أو صدام.
وقبل يوم من كتابة هذه المقالة تذكرت حديث الأخ وليد السامرائي مع الإعلامي الدكتور حميد عبدالله يوم أخبره كيف أن عبد الخالق كان ينهاهم حينما كانوا يتحدثون معه عن الغزو القبلي لمجموعة العوجة للقصر، مؤكداً لهم أن صدام هو البعثي الأكفأ لقيادة الدولة. ولكي أتأكد مرة أخرى مما قاله وليد فقد هاتفته وذكرت له قصة (ملك التعبئة) التي تحدث بها صدام في اجتماعه بعد الغدر بعبد الخالق فتعجب الرجل كثيراً وأعاد علي القصة نفسها التي تحدث بها مع الدكتور حميد

ومن يقول أن صدام لم يكن يكذب هو الذي يكذب. أليس الغدر هو أشد أنواع الكذب وأقذره, فماذا نقول عنه حينما وقف في قاعة الخلد عام 1979 لكي يعلن عن وجود مؤامرة استهدفت الحزب, مُتهماً نصف أعضاء القيادة القطرية ومعهم 55 كادراً قيادياً بالقيام بها وذلك بالتعاون مع الرئيس السوري حافظ الاسد.
ماذا نقول عن كذبته الشنيعة حينما اتهم الدكتور رياض الحاج حسين وزير الصحة, بعد أن قتله بمسدسه في القصر, مؤكداً بالفم المليان أن الوزير كان يقتل الجنود الجرحى العراقيين بعد استيراده متعمداً لعبوة دواء ذات قوة مضاعفة, وذلك تضامناً مع الخميني الذي كان يقتلهم في الجبهة!.
ماذا نقول عن الكذبة التي دبلجها عن قصة استقالة البكر وكل الشواهد السياقية تؤكد على أن البكر كان قد أبعد بالقوة بعد أن صار على بعد خطوة من الإعلان عن قيام دولة الوحدة بين العراق وسوريا, الأمر الذي كان سيحرمه من عملية السيطرة على حكم العراق بعد أن ذبح معظم قيادات حزبه, ناهيك عن خصومه.

كل القوى السياسية التي عانت الأمرين على يد جلادي معتقل قصر النهاية قد يكون لهم حق الحديث عن الجرائم التي ارتكبت في ذلك المعتقل, لكن على الجميع أن يتذكر أن كل ما جرى في ذلك المعتقل كان بأمرٍ وبإشراف من صدام حسين نفسه, ثم أن عليهم أن يكونوا منصفين, فيستعيدوا مشهد العلاقات بين القوى السياسية الفاعلة في تلك الفترة وكيف أن الكل كان يترصد للكل لكي ينهيه.
لكن سيكون من حقي التنبيه إلى أن قصص قصر النهاية كان قد جرى تضخيمها كثيراً, ولو أننا صدقنا بمقدار العُشْرِ منها لتَيقَنّا أن كل القيادات الشيوعية مثلاً كان قد تم قتلها وكل القيادات المؤيدة للبعث السوري قد تم نحرها, لكني أعلم أن النسبة العظمى من المجموعة البعثية السورية قد تم إطلاق سراحها وقد أعيد معظم أعضائها إلى الحزب وتسلمت وظائف مهمة وخاصة على الصعيد الإعلامي, في حين أن القيادات الشيوعية من مجموعة اللجنة المركزية هي التي وقعت مع البعث على بيان تأسيس الجبهة الوطنية والقومية التقدمية, أما قصة مجموعة عزيز الحاج التي كانت قد أعلنت الثورة المسلحة ضد الحزب فقد ألقي القبض على معظم كوادرها ثم أطلق سراحهم بعد تخليهم عن موقفهم المناهض وجرى توظيفهم في المؤسسات الإعلامية وخاصة صحيفة الثورة.
لكن يبقى من المهم التأكيد على أنَّ أكثر من قاسى في تلك الفترة هي المجموعة القومية المحسوبة على الأخوين عارف حيث جرى قتل البعض وإذلال البعض الآخر بدوافع انتقامية لأن هذه المجموعة هي التي ساندت عبدالسلام محمد عارف حينما إنقض على جمهورية البعث الأولى في الثامن عشر من تشرين عام 1963, وكان التعذيب والإذلال الذي لقيه طاهر يحيى إنموذجاً تكررت الروايات عنه.

عن قصص تلك الفترة أستطيع أن أتحدث حتى الصباح لكن يبقى من المهم أن اشير في نهاية هذه المقالة أن صدام كان قد اضطر للإجتماع مع الكوادر بحضور عدد من أعضاء القومية العرب بعد أن وصله استياؤهم من موقعة إلقاء القبض على عبدالخالق, وبالأخص موقف قيادة قطر لبنان التي رفضت تصديق قصة مشاركته المؤامرة وظل معظمها على موقفها ذاك.
أما أعضاء القومية من العرب الموجودين في العراق (العيسمي, إلياس فرح, علي غنام وكذاب الحزب قاسم سلامة) فقد أشرت في كتابي الموسوم (عبدالخالق السامرائي وناظم كزار) أنهم, وبعد رحلة طويلة في المنافي, وخاصة بعد أن غدرت بهم مجموعة صلاح جديد وحافظ أسد وحكمت على معظمهم بالإعدام, وبعد أن وجدت في العراق ملاذها الأخير فهي لم تكن مستعدة نفسياً للعيش مرة أخرى في المنافي فسلمت أمرها لصدام حسين وهزت رأسها مؤيدة للفتوى التي أصدرها ميشيل عفلق : (صدام حسين هبة السماء للبعث وهبة البعث للعراقيين) وكأنما صار ميشيل عفلق الناطق الرسمي بإسم السماء. “انتهى”





