صدام وهو يتحدث عن (مؤامرة) ناظم كزار ودور (المتآمر) عبدالخالق السامرائي




كان واضحاً أن الغرض من ذاك الاجتماع هو إقناع جماعة القومية بواقعة اشتراك عبدالخالق السامرائي. وبما أن جماعة القومية الذين يعرفون عبدالخالق عن قرب يعلمون عنه التزامه الكبير بالنظام الداخلي وميله دون مواربة إلى حل المشاكل من خلال الإلتزام بذلك النظام, ويعرفون أيضاً أن لسانه وقلمه لم يكلا عن نقد المظاهر والسلوكيات التي جاءت بهما السلطة وأنه كان قد دعا بالفعل إلى انعقاد مؤتمر (قومي وقطري) هدفه نقد المظاهر السلبية التي بدأت تتراكم, وكان مؤملاً أن ينعقد ذلك المؤتمر بعد شهر من تاريخ إلقاء القبض عليه، فإن صدام كان يعلم قبل غيره أن الكثيرين من أعضاء القيادة القومية سوف لا يتقبلون فكرة أن السامرائي قد شارك ناظم كزار (مؤامرته) ضد نظام الحزب الذي ثار ناظم كزار ضده حتى لا يتحوّل إلى نظام للعشيرة. وفيما بعد ظهر للجميع كم كان كزار مصيباً.
في الساعة التي تسربت فيه أخبار ذلك الحدث كنت أجلس مع مجموعة من أعضاء المكاتب في غرفة شبلي العيسمي وكالعادة كان الحديث يدور حول محاولة ناظم كزار حيث انتهت الغالبية ومنهم العيسمي نفسه إلى أنه ليس هناك من تفسير معقول لتلك المحاولة سوى أن (كزار) قد جُنَّ بالفعل, ومصدر هذا الإعتقاد الراسخ وقتها أن كزار يعلم قبل غيره أن الحزب سوف لا يغفر له فعلته, كما أنه لن يجد بعثياً واحداً ينتصر له, وأن المجنون وحده هو الذي يعتقد بإمكانية نجاح محاولة حمقاء كهذه.

لقد مضى الآن أكثر من نصف قرن على تلك الجلسة الخاصة التي أتذكر أن من بين المشاركين فيها الدكتور عبدالوهاب الكيالي العضو القيادي السابق وصاحب كتاب الموسوعة الفلسطينية إضافة إلى شبلي العيسمي نفسه, ولأنني كنت أكثر الحاضرين معرفة بناظم كزار, وربما أكثر الآخرين أيضاً قدرةً على فهم سيكولوجيته فلقد رحت أدحض بحماس فكرة أن الرجل كان قد جُنَّ.
وقبل أن يطالبني أصحاب النظرية الأخرى بتفسيري المخالف رحت أنبههم إلى أن ناظم لم يقدم على عمل كهذه إلا بعد أن تيقن أن أعضاءً في القطرية يتعاطفون معه وأن مجموعة من الكوادر الحزبية المتقدمة سوف يهرعون إلى نصرته والإنضمام إلى محاولته.
وبوصفه مديراً عاماً للأمن وأكثر البعثيين خبرةً أمنية وبراعة في الحصول على المعلومات لذلك لم يكن لديه شك بأنه سيلقى من يسانده ومن سيشاركه خاصة وهو يعلم أن أكثر البعثيين شعبية وقبولية, وهو عبدالخالق السامرائي, غير راضٍ على ممارسات بعض القياديين وفي مقدمتهم أحمد حسن البكر.
إن قصة زعل السامرائي على البكر كانت معروفة, وكان العديد منهم يتداولون كيف أن السامرائي قد انقطع عن حضور اجتماعات (مجلس قيادة الثورة) لأكثر من شهر وأنه لم يعد يمارس وظائفه إلا بعد أن زاره صدام في داره متمنياً على أم عبدالخالق أن تكون واسطة خير فتكرمهم كما هي عادتها بطبيخها اللذيذ وذلك كفاتحة خير.

حينما ألقي القبض على عبدالخالق طرقت (أم الخير) باب الكثيرين من أجل أن تعلم أين ذهبوا بابنها. صدام الذي كان أكل من (طبيخها) لم يكرمها حتى ولو بمجرد معلومة, وحرم عليها الإقتراب من بوابة القص أو المجلس الوطني حيث كان مقره فلم يتبقَ سوى أن ترسل بقريبها عباس (ربما هو ابن أختها) الذي كان يعمل سائقاً لعبدالخالق في سيارة (الفيات) الصغيرة التي كانت قد وزعت على أعضاء القيادة. في مرات عديدة كان عبدالخالق يطلب من (عباس) ان يذهب إلى داره بعد أن يطلب مني مرافقته في جولة على الأقدام للمشي في شارع السعدون بعد العاشرة أو التاسعة ليلاً. وكانت تلك كل مسرته. وحينها كنت أراه يمعن بمن حوله وكأنه كان يقرأ في وجوهم الدلالات التي يبحث عنها.
كنت حينها أعمل (معاوناً للعميد) في كلية طب الأسنان حينما فوجئت بعباس وهو يدخل بسرعة إلى مصعد الكلية محترساً أن لا يراه أحد, ثم قال لي وهو يلهث أن أم عبدالخالق طلبت منه أن يسألني عن المكان الذي سجنوا فيه قرة عينها.
نظرت له بحزنٍ موجع وأنا أخبره أن لا علم لي فخرج من المصعد مسرعاً كما دخل وكأنه يحاول أن يحميني من أصحاب الوشايات. ذلك المشهد سوف لا أنساه مطلقاً, عضو القيادتين القومية والقطرية, والرجل المرشح لأن يكون أميناً عاماً للحزب في حالة شغور المقعد من صاحبه ميشيل عفلق, لم يعد أحد يعلم بمصيره ولم يتبق لأمه غيري تسأله, فلعله يعلم أين هو أستاذه وأخوه الأكبر.. حينما خرجت من المصعد إلى غرفتي أغلقت الباب وجلست خلف مكتبي وغطيت وجهي تاركاً لعينيّ أن تطلقا ما اختزن فيهما من الوجع الصامت.
كان كزار يعلم بذلك جيداً وقد تأكد صدق تحليلي عن نيّاته. لقد طفح به كيل الغضب المخزون.كان مكلفاً بإدارة الملف الأمني حتى قبل أن يتعين مديراً للأمن العام. حينما قيل لصدام أن ناظم كان بتاريخ أمني عنيف وأن الثورة التي أعلنت عن نفسها كونها ثورة بيضاء بحاجة إلى أن تقدم نفسها من خلال شخصيات بتاريخ أفضل ضحك صدام حسين قائلاً : عيّناه مديراً للأمن العام ولم نعينه مديراً عاماً للسينما والمسرح, ثم أخبرهم أن (ناظم) ليس له مثيل على مستوى معرفة خارطة القوى السياسية. وبعد أن عدد مناقبه أخبرهم بأن كزار يملك ذاكرة عجيبة وقدرة على جمع المعلومة, وهو الأفضل على صعيد الحاجة لبناء المؤسسة الأمنية (بإشرافي كوني المسؤول الأول عن المكتب العسكري للحزب وسوف أتابع عمله حتى على مستوى التفاصيل المملة), فخرجوا من عند (أبو عدي) معجبين به وبرجل أمنه ناظم كزار.





