الفيلسوف مدني صالح يكتب عن أُستاذه عالم الاجتماع علي الوردي




……….وما كتبه رائع ورائع جدا ومهم !!
في العدد الصادر يوم 17 تشرين الأول سنة 1979 من مجلة (الف باء) البغدادية . طبعا شيء ليس جميلا فقط بل ورائع يقول الاستاذ مدني صالح :”وقالوا جاء … استاذ جديد وانه قد جاء بشهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة الامريكية وانه اول مختص بعلم الاجتماع في العراق ..
وانتظرناه ..ولم يطل انتظارنا إلّا يوماً واحداً أو ربما يومين ..وجاء الى كلية الآداب والعلوم الواقعة في باب المعظم حينذاك ..ودخل الصف بقامة أقرب الى القصر منها الى الطول ..أو قل -إنْ شئت – إنه كان قصير القامة بديناً بعض الشيء من غير بطنة ،كثيف شعر الرأس ،حالك السواد ان كان طبعا من أصل أم تطبعا من أصباغ ..
مطرق الرأس الى الارض كل الوقت حتى انك لا تدري كيف لا يصطدم بكل ما قد يعترض طريقه اذ يسير ..بل انك لتعجب كيف يقف عندالهدف الذي يقصده في السير ..؟ .
واستقر الرجل على المنصة منصة الدرس لكنه لم يكد يستقر الا قام متمشيا امامنا ونحن قعود نصغي الى آرائه الجديدة بانبهار المعجبين ..

واستمر ذارعا الصف امامنا ذهابا ومجيئا بين الباب والشباك متحدثا حول معجزات وخوارق السوسيولوجي (علم الاجتماع) ، وازدواج الشخصية العراقية ،وكل ما قرأناه بعد مرور الزمن في كتابيه (مهزلة العقل البشري) و (وعاظ السلاطين) ..إنه الاستاذ الدكتور علي الوردي المؤلف المعروف عند جميع القراء العراقيين ..بل إنه المؤلف الذي أذاع كل افكاره – لم يبق منها لغد شيئا – في مدة خمسين دقيقة بين جرس بداية المحاضرة وجرس بداية الفرصة بعدها وبداية الحديث عن ألمعية هذا الاستاذ البليغ الفصيح الهادئ المثير المؤثر ..انه قال كل ما عنده من افكار لم يبق منها لغده فكرة ..وقالها كلها في اول محاضرة سمعناها منه ، وظل شاغلا الناس ونفسه بها منذ سنة 1951 حتى الان (1979) و(لعله ظل يتحدث بها حتى وفاته رحمه الله سنة 1995 ).
كان علي الوردي اعجوبة من اعاجيب الاساتذة بين التلاميذ ..تحسبه غافلا وهو في حقيقة الامر منتبه . وتحسبه راقدا وهو في حقيقة الامر يقظ احسن ما يكون اليقظان ..وتحسبه كل ماقد يبدو لك لكنه في واقع الحال بريئا من كل ما تحسب ..لكنه – قيد تحصيل الحاصل – استاذ انتفعت به طبقات شتى من القراء ، فهو مؤلف ما ندر ..بل انه المؤلف في كل جامعة بغداد …انه يهدم لك الف الف قصر ويظل بعد الهدم قاعدا عن بناء اصغر الاكواخ ..اجل انه رصين وانه الكاتب المثير بهدوء ..اجل انه اكثر سكان جامعة بغداد هدوءا
وقناعة ..اجل انه قانع لايتدافع على امر من امور دريهمات هذه الدنيا ولا يجادل احدا في امر من امور الثقافة والادب والفكر ..وربما لا يقرأ غير ما يكتب – لا يسمع غير ما يقول ..ولا يناقش احدا في أمر ..بل انه الرجل الذي لا يتكلم ولا يكترث الا بما يقول ..يتخذ مواقفه هادئا صامتا ؛ بسكوت ..يتجنب الاذى : يميط المزعجين من طريق الراحة بهدوء ” .
الاستاذ مدني صالح يقارن بين الدكتور طه حسين والدكتور علي الوردي فيقول ان كان الدكتور طه حسين سيد الدراسات الادبية – التاريخية فإن الدكتور علي الوردي سيد الدراسات الاجتماعية -التاريخية .
وعن منهجه يقول الاستاذ مدني صالح ان الدكتور علي الوردي هو اول عربي طوّع مجمل الحديث في علم الاجتماع للسان العربي المبين بينما غرق القاعدون حتى الهامات في رطنة التركة من اللغات الاجنبية .

ووعد الاستاذ مدني صالح بأن تكون له مع الدكتور علي الوردي وقفة حول مسائل فلسفية وفكرية من قبيل اسباب عدم قراءته لافلاطون وارسطو وتوماس هوبز وهيكل وهربرت سبنسر ولماذا يعتقد بأن للعراقيين شخصية مزدوجة ولماذا الغربيون غير مزدوجي الشخصية ولماذا لا يكون المواطن العراقي الأكل حلالا من عمله الشريف غير مزدوج الشخصية وغير منحرف ولا يلتوي ولا يتعقد ؟؟ ولماذا لا يتفضل الوردي فيسلم علينا ونسلم عليه برد التحية احتراما وندعوه للجلوس فيجلس ونعيد عليه التحية ثانية (الله بالخير) ويسمعنا نقول ان الازدواج في الشخصية والاضطراب في الشخصية ليست عامة تشمل كل العراقيين بل هي “صفة من صفات الاكلين حراما من الكسل الذميم ومن الاحتيال ومن التدافع خارج القانون وخارج منطق الدولة وقوة المنطق وانها صفتهم اينما كانوا -في العراق وغير العراق -بصرف النظر عن حدود الوطن او اللغة او اللون او الدين ” .
اذا من وجهة نظر الفيلسوف والمفكر العراقي الكبير الاستاذ مدني صالح -فإن العراقيين الشرفاء العاملين الصادقين القانعين بما رزقهم الله المعتدلين غير الراكضين وراء المال والمناصب والكراسي لا يمكن ان يكونوا مزدوجي الشخصية ولا يشعرون بالتناشز الاجتماعي ولا يعانون من الغلبة والتخلف بل هم مواطنون تقدميون متنورون صادقون لكن الغلبة للمرضى المشوهين ولهؤلاء سلطة وشهوة واندفاع وازدواجية وحيل وعلى قاعدة قانون غريشام في الاقتصاد :العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق .
الموصل المحروسة 11-1-2026





