في “ذاكرة” صحيفة الصباح..د. طه جزاع يكتب عن “حوار عبر القرون”..


عند العاشرة من مساء الثلاثاء 22-7-2025، كنتُ ضيفاً على المجلس الثقافي العراقي الذي يديره من لندن الدكتور عمار طاهر البكّاء، بمشاركة عدد من المثقفين العراقيين في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، حيث يقيم الزميل صباح اللامي، الذي يسهم من هناك في ديمومة المحاضرات الفكرية والثقافية التي يعقدها المجلس. ولما كان موضوع محاضرتي يدور حول كتاب تهافت الفلاسفة لأبي حامد الغزالي، وتهافت التهافت لابن رشد، فقد انفتحت شهية الحضور للنقاش، بين مؤيد لمحاولة توظيف البراهين العقلية في الدفاع عن العقائد الدينية وترسيخها بقوة الحجة المنطقية، وبين معترض يرى في هذا الجمع بين العقل والنقل ضرباً من المحال، نظراً لاختلاف طبيعتيهما .

ومع أن ما يقرب من ألف عام قد مضى على تأليف هذين الكتابين، فإن الحوار الذي افتتحه الغزالي في المقاصد والتهافت، واستكمله ابن رشد في تهافت التهافت بعد أكثر من ثمانين عاماً، لا يزال صداه يتردد في
أروقة الفكر والفلسفة حتى يومنا هذا. وقد حرصتُ خلال المحاضرة على توضيح موقف الغزالي، الذي طالما شابه سوء فهم، حين وُصِمَ بأنه عطّل العقل الإسلامي، وساهم في تقييد الجدل العقلي في مسائل العقيدة وتأويل النصوص. والواقع أن الغزالي لم يكن ليسلك هذا المسلك لولا أن عصره شهد انحسار المد العقلي وصعود نجم الفقهاء والمتكلمين، فأراد، ربما بحسن نية، أن يكون منصفاً في تقييمهم، لا متعصباً ضدهم، وأن يكون نوراً عليهم، كما صرّح في مقدمة كتاب التهافت، حيث قال عبارته الشهيرة في تمجيد الشك المنهجي : ” من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يبصر بقي في العَمَهِ والضلال ” .

كان واضحاً من مجريات الحوار، ومن المداخلات التي أعقبت انتهاء المحاضرة، أن أغلب الحضور يميلُ إلى تأييد عقلانية ابن رشد، تلك التي قامت عليها الرشدية اللاتينية في أوروبا لاحقاً. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن كلا المفكرَين – الغزالي وابن رشد – قد تعرّض لسوء الفهم، سواء في زمانه أو في الأزمنة التي تلته. غير أنهما، خلّفا للفكر الإسلامي والعقلي ثروةً من الحوار العميق، لا يزال صداه حيّاً ومتجدداً عبر القرون .





