فكر

 صدام في حديثه عن عبدالخالق وناظم كزار القسم الثاني (ما قبل الأخير)

     لا تصدّقوا إذن ما قاله صدام عن استغفاله من قبل ناظم كزار حينما أرسل هذا الأخير فريقاً لاغتيال بعض الخصوم السياسيين في القاهرة، أو في إشارته إلى قضية اليهود، لأن صدام هو سيد العنف والقسوة، بل وسيد الغدر برفاقه. فقد طمع منذ البدء في تمشيط الحزب من كل من يعتقد أنه سيشكّل عائقاً أو خطراً أو تقاطعاً مع خطته لبناء دولة وحزب العشيرة.

      نحن لسنا أمام شخص مسالم ملتزم، كمثال السامرائي، لكي نصدّقه حينما يتحدث محتجّاً على ميول ناظم العنفية. نحن أمام آلة قتل وقمع وعنف وغدر ممنهج اسمه صدام حسين. فكيف نقبل سخريته من عقل قيادته العليا حينما يعترف بأن “جريمة” عبدالخالق أنه لم يُبلغ الحزب حين علم بالمؤامرة من محمد فاضل، حينما كان في المطار وقبل وقت قصير من الوصول المفترض لأحمد حسن البكر بعد انتهاء زيارته لـ”بولونيا”؟ ثم يؤكد بعد ذلك التهمة الافتراضية التي وُجهت إلى عبدالخالق، والتي أعاد هو تركيب الحدث على أساسها. ففي رأيه أن جريمة السامرائي أكدها سكوته عن تبليغ الحزب، بينما كان مفترضاً عليه أن يقود حملة عسكرية لإجهاض المحاولة حال علمه بها.

وهكذا بتنا نعلم، وعلى لسان صدام نفسه، ما يلي:

   1-أن السامرائي لم يكن على دراية بما خطط له وما قام به ناظم كزار، لأن كزار نفسه كان يعلم مدى التزام عبد الخالق بالنظام الداخلي للحزب واعتماده عليه في معالجة كل المشاكل.

    ومن تصريح سابق لصدام علمنا أن السامرائي كان الوحيد من أعضاء القيادة الذي لم يوافق على خطة الانقلاب ضد نظام عارف، لأنه كان يؤمن بقوة بأن على الحزب أن يعمل طويلاً من أجل تبييض صفحته بسبب الجرائم التي ارتكبتها قيادته بعد الإطاحة بنظام الزعيم عبدالكريم قاسم. فكيف نصدق، مع وجود هذه الواقعة، أن السامرائي قد استهوته فكرة الانقلاب العسكري ضد نظام حزبه؟!

   2-كان السامرائي الشخصية رقم واحد على صعيد الساحة القومية البعثية، ولم يكن ينازعه على ذلك الموقع لا صدام ولا البكر ولا غيرهما من القيادات. فكيف يضحي السامرائي برصيده في ساحة لم تكن قد شُفيت بعد من جرحها السوري بعد انقلاب صلاح جديد وحافظ الأسد على الشرعية الحزبية النظامية؟

    3-كان السامرائي الأعلى صوتاً داخل الحزب في ملاحقة الممارسات السلبية، وحين اكتشف مدى ظلامية تلك الممارسات دعا إلى مؤتمر قومي لمعالجتها التزاماً بالنظام الداخلي. فكيف يخالف هذا النهج وهو يعلم تماماً أن الأجواء الحزبية، عراقياً وقومياً، لم تكن مستعدة لتكرار تجربة شباط السورية التي رُفضت بشدة؟

    4-أنا أعرف كلا الرجلين، عبدالخالق وناظم كزار. عملت مع الأول أربع سنوات ولحين الغدر به وفي غرفة ملاصقة لغرفته وكانت علاقتي به جيدة جداً وعلى كافة المستويات, أما كزار فقدكنت ولفترة سنتين زميلاً له في المكتب التنفيذي للإتحاد الوطني لطلبة العراق وكان هو وصباح مرزا يشكّلان سكرتارية للإتحاد, وقد كتبت ونشرت كتاباً خاصاً يتعلق بفِرْيَة علاقة السامرائي مع ناظم وثورته ضد الإنحراف العشائري في الحزب والدولة, وكان أهم ما قلتُهُ في ذلك الكتاب أن ناظم لم يكن يعرف اي شيء خارج الحزب, وأنه انتفض حينما أدرك أن صدام والبكر يستغلانه لبناء مملكتهما العشائرية, أما الشأن الثاني في الكتاب فكان محاولة لدحض تهمة اشتراك السامرائي مع ناظم في حركته رغم انسجامه مع ما يؤمن به ناظم بشأن الغزو العشائري لسلطة الحزب والدولة.

     أمّا الشأن الثاني في الكتاب فكان محاولةً لدحض تهمة اشتراك السامرائي مع ناظم في حركته. إنّ كزار، الذي كان مكلّفًا بإدارة الملف الأمني، كان يعمل تحت المسؤولية المباشرة لصدام حسين، لذلك يصعب علينا أن نصدّق أنّ كزار قد قام بالعمليات الكبيرة الواسعة (اغتيال المعارضين في القاهرة، محاولة اغتيال البارزاني، ملف اليهود) من دون علم صدام. وإلّا لكان من اللائق محاكمة صدام حسين نفسه لأنه لم يكن كفؤًا ليعلم ويضبط تحركات نائبه. وهذا الأمر سيزداد إلحاحًا حين نستمع إلى صدام وهو يؤكّد أن «جريمة» عبد الخالق الأساسية، وربما الوحيدة، هي أنّه لم يتحرك بعد أن علم بالمحاولة لقمعها، أي أنّ صدام يعترف بذلك بلسانه.

     أمّا بالنسبة لي، وكنت الأصغر بينهم موقعًا، فقد كنت أدري أن عبد الخالق السامرائي، الذي كان مسؤولًا عن الثقافة في الحزب، لم يكن في مقدوره أن يحرّك شرطيًا واحدًا في الدولة. فكيف نقبل تأكيد صدام على أنّ تلك كانت جريمة السامرائي التي استحق بسببها الحكم بالإعدام؟ وهل كان من الحق أن ننسى تأكيد صدام في أكثر من مناسبة أن على القيادة أن تهتم بكل شيء إلّا الشأن الأمني الذي هو من اختصاصه؟ ثم ألم يكن معلومًا لدى الجميع أن عبد الخالق كان الأعلى صوتًا في نقد أخطاء المؤسسة الأمنية، وأنه لم يتغاضَ عن أخطاء العديدين، وفي مقدمتهم ناظم نفسه؟

     والسؤال هنا: لماذا لم تتم محاسبة ناظم بسبب هذه المخالفات الكبيرة؟ بل رأيناه يغضّ النظر عن تلك الجرائم. وهنا لا بد من سؤال آخر: هل كان ناظم يغتال المعارضين لصالحه؟ وما الذي كان يدفعه إلى ذلك؟ لا شيء يصلح للإجابة إلّا إذا كان هدف ناظم الوحيد هو تشويه سمعة السلطة، التي لم تكن بحاجة إلى جرائم مضافة حتى تتشوّه صورتها.

     ولقد افترضتُ، عند مشاركتي الحديث مع المجموعة التي ضمّتني في غرفة الأمين العام المساعد شبلي العيسمي، أن حبكة ناظم لمحاولته الانقلابية كانت تقوم على نظرية «سدّ الفراغ»: بعد قتل الرئيس البكر ونائبه، يعلن ناظم من جانبه أن المتهمين بعملية الاغتيال هما بشكل رئيس حماد شهاب وسعدون غيدان. وكان في ظنه، واعتمادًا على الخوف البعثي العظيم من إمكانية أن يقوم العسكر مرة أخرى باغتيال جمهورية البعث الثانية، تمامًا كما فعل عبد السلام عارف حين قضى على جمهورية البعث الأولى في تشرين من عام 1963، أنّ معظم البعثيين سيصدّقون روايته، لأنه خلّصهم من خطر العسكر المتآمرين. وكان يفترض أن السامرائي سيكون في مقدمة من يصدّق روايته، وأن قبوله بمنصب «سدّ الفراغ» سيكون متوقعًا، وأن الرجل لن يجد شائبة في تحمّل مسؤوليات المرحلة الانتقالية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق