مقالات

حسون الأمريكي في ذاكرة رشدي عبد الصاحب..

     وحين مازحته يوماً، بالقول إنّ أباه من أعلام العراق الشعرية، حتى أنّ الشاعر علي جعفر العلاق قال يوماً إنّ أوّل ديوان شعري اطلّع عليه ، وهو بمثابة  الكتاب الأول في حياته كان بعنوان ( نوح وتغريد) للشاعر عبد الصاحب شكر .. لم يعلق رشدي ، لكنه أردف قائلا: (لا تقل أصلي وفصلي أبداً *** إنّما أصل الفتى ما قد فعل )  .. كان رشدي عبد الصاحب ، معتدّاً بنفسه ، دون غرور ، صقل ذاته بمجهوده الفردي .. وكان إلقاؤه سلساً، يجذب المتلقي، ذا صوت جهوري، متزناً في قراره، وجوابه، معروفاً بالظرافة والنكتة .

قد يسأل بعض الإخوة القراء ، ما هي مناسبة الحديث عن رشدي ، فأقول: إنها مناسبة ذكرى وفاته التي حدثت في نيسان سنة 1994 .. حيث  ودعنا الى دنيا الخلود .. لقد ربطتني صداقة، وأخوّة مع أبي وسام، رشدي عبد الصاحب ، استمرت عقوداً ، وما أحلاها من صداقة رائعة..

    ولكم أعزائي القراء ، أروي ما حدثني به رشدي عن إحدى محطات حياته الوظيفية، غير المعروفة ، قبل أنْ يصبح مذيعاً مرموقاً في إذاعة وتلفزيون العراق ذاكراً انه شغل وظيفة إدارية بسيطة في مستشفى الرشاد للأمراض العقلية ” الشماعية ” ببغداد في أوائل ستينيات القرن المنصرم ومما رواه في حديثه، ينطبق على ما نشاهده ونسمعه اليوم من تصريحات وبيانات سياسية..

     كيف ؟ قال رشدي : طلب اليّ مدير المستشفى يوماً ، اختيار مجموعة من المرضى، غير العدوانيين والذين يميلون الى الدعة والانطوائية، للقيام بعمل بسيط وهو حراثة القسم الخلفي من المستشفى، وكان ترابياً، لزراعته ببعض الشتلات … باركتُ فكرة المدير ودعوت بعض المرضى من ذوي المواصفات المطلوبة، وهيأت لهم (المساحي) وأدوات الحراثة البسيطة الأخرى .. وبدأ العمل على بركة الله !

     ويكمل ” ابو وسام ” روايته : جلسنا أنا والمدير في الحديقة الأمامية للمستشفى، تاركين شبابيك وباب غرفة المدير مشرعةً للهواء ، لتغيير جوها .. وأخذنا نتبادل الحديث والشعر. وكان الرجل محباً للشعر ومن هواته.. وبعد حوالي نصف الساعة أو أكثر على بدء المرضى لعملهم، الذي كنا نعتقد أنه سيسهم في تغيير نفسياتهم ، رنّ الهاتف الخاص في غرفة المدير ، فنهض للرد عليه ، واذا به يأتيني مسرعاً ، شائطاً عالي الصوت ، مكفهر الوجه ، زائغ العينين ( رشدي .. أسرع ، لقد دخل المرضى غرفتي وانهالوا على طاولتي بالضرب بمساحيهم ، ورموا قناني الأحبار بألوانها الثلاثة ( الأزرق والأخضر والأحمر) على سجادة الغرفة وعلى آرائك الجلوس ورشّوا عليها الماء ، ورموا ما موجود في الثلاجة على الأرض وكسروا إطارات الشهادات والصور المعلقة على الجدران .. و.. و.. ) وهُرعتُ الى غرفة المدير ، فوجدتُ المرضى في عز فرحهم داخل الغرفة، وكانوا يغنون بصوت خفيض لكنه مسموع نوعاً ما (دكتور ، جرح الأولي عوفه .. وجرح الجديد عيونك أتشوفه ) وهي أغنية كانت مشهورة في وقتها للمطرب عبد الجبار الدراجي !

 وعندما رأوني وقد تبعني المدير ، توقفوا عن ” فعالياتهم ” واصطفوا بشكل نظامي وكأنهم طلابٌ جاءهم المدرس .. وانبرى أحدهم وهو (حسون الأمريكي ) الشخصية البغدادية الشهيرة ، وكان أحد مرضى المستشفى قبل ان تتحسن حالته ، ويخرج نهائياً بعد تلقيه العلاج اللازم ، متكلماً بصوته المائل الى النعومة ، مخاطباً المدير ( ها دكتور … عجبتك الحديقة ؟ ) فضحك المدير على مضض وقال : شكراً يا جماعة!.  

   ويضيف محدثي في روايته وكأني بحديثه الذي مضى عليه خمسة عقود ونيف أستشعر واقع اليوم : لقد لاحظت ، ان المرضى كانوا يأتمرون بأمرة ” حسون الامريكي ” ويطيعونه بشكل عجيب ، حيث لم ينفذوا أمر المدير في العودة الى ردهاتهم ، لكن ما أن أمرهم ” حسون الامريكي” حتى لبوا الأمر ، وحمل كل منهم عدته بهدوء وذهبوا باتجاه أماكنهم ، وعند ذاك تقدم ” حسون الأمريكي ” الى المدير ، ماداً يديه للمصافحة ، فقابله المدير بالمثل .. وانتهى ذلك اليوم على خسائر ، تكبد أثمانها المدير.

    رحم الله صديقي رشدي عبد الصاحب والرحمة موصولة لـ ( حسون الامريكي ) الذي ما زالت سطوته على المجانين في وطني حتى اللحظة.. وما أشبه اليوم بالبارحة !.

مقالات ذات صلة