مقالات

شيءٌ عن دور “المسيحيين” في بناء الحضارة العباسية..

       منذ تأسيس الدولة العباسية عام 750 م أصبحت بغداد كعبة العلماء والأُدباء، يقصدها الداني والقاصي من كل صوب، وهكذا ازداد ودُّ المسيحيين للمسلمين , فمنحهم أبو العباس السفاح ومن عقبه من الخلفاء الحرية في أحكام البيعة، وخولوا رؤوساء المسيحيين، النفوذ الواسع لإدارة رعاياهم , كما خولوا انتخابات رؤوسائهم من المطارنة والبطاركة.

    وكان الخلفاء وحدهم مَنْ يصدّقون على انتخابهم، بالإضافة الى مساعدتهم في حلِّ الخلافات الموجودة بينهم وبين رعاياهم على الاصعدة كافة. وعلى الرغم من تمتّع المسيحيين في ظل الدولة العباسية بالحرية القضائية، فقد تم إنشاء محاكم خاصة بهم تدار من قبلهم .

      وعندما صار على رأس الكنيسة الشرقية البطريرك طيماثاوس الأول والملقب بالكبير الذي عاصر خمسة خلفاء عباسيين خلال مدة رئاسته بين سنة 780-823 م وكان له علاقة طيبة بهم واشتهر بحوارات عقائدية مع الخليفة المهدي، كانت زوجته الخيزران تميل الى المسيحيين وربما كان ذلك بتأثير أبي قريش عيسى طبيبها الخاص، وقد ذكرها، ماري بن سليمان في كتابه “المجدل” وأثنى عليها وعلى ترميمها الأديرة وتوسيعها. ومما يذكر بهذا الصدد ان البطريرك خلال فترة رئاسته الطويلة أرسل بعثات تبشيرية الى تركستان والهند والصين حيث بشّروا وأنشأوا كنائس جديدة لازال قسم منها موجود لحد الان .

      لقد نال المسيحيون ما ناله المسلمون من أبواب الرزق والنعم .كان البطريرك الذي يُنصّب يسير بحفاوة و بمراسِم رسمية الى دار الخليفة, ويتسلّم زيه الرسمي الثمين من الخليفة. وكان الخلفاء يوصون عمالهم في الولايات بالرفق بأهل الذمة وخاصة أهل العفة والوالدين والعجزة والمرضى والفقراء والرهبان .

      راعى المسلمون حقوق المسيحيين العراقيين فاستعانوا بهم في دواوينهم وولّوهم على مدنهم وقراهم وخزائنهم  المالية. وقربوا منهم الصيادلة والأطباء والمهندسيين . وكان لمسيحيي العراق النفوذ في دواوين الحكومة , والجاه الواسع بين الأعيان والوجهاء، والاموال الطائلة, والأرباح الكثيرة بين أصحاب الحرف والملاكين والتجار ,وفي الوقت نفسه كرم المسيحييون المسلمين .

     وفي هذه الحقبة, نشطت حركة الترجمة منذ أيام الخليفة الرشيد وبلغت ذروتها أيام الخليفة المأمون حيث ساهم المسيحيون الذين استفادوا من المدارس التي ازدهرت فيها العلوم قبل قيام الدولة العباسية خصوصاً مدارس الرها و نصيبين و جنديسابور و أنطاكية , بالدور الأكبر في عملية الترجمة والنشر حيث قاموا بترجمة الكتب العلمية والطبية والفلكية عن اليونانية، والسريانية الى العربية.

      وكان على رأس المترجمين حنين بن اسحق الذي يلقب بشيخ المترجمين، ولأهميته هو والملفان مار افرام، ولدورهما الكبير في هذا المضمار، أقيم لهما في بغداد خلال السبعينات من القرن الماضي مهرجان كبير حضره المئات من رجال العلم والمعرفة والتراث من أقطار العالم كافة.

     إن حركة الترجمة والنشر كان لها أهمية كبرى لأنها ساهمت بنشر وإغناء التراث والعلوم والمعارف على اختلاف أنواعها باللغة العربية في وقت كانت العربية أحوج ما تكون الى تلك المعارف فأغنت المكتبة العربية، وكان لها أثر بالغ فيما تلا ذلك من عصور.

     وفي هذا العصر أيضا برز أدباء ومفكرون كان لهم دورٌ كبيرٌ في نشر المعرفة والثقافة نذكر منهم يحيى بن عدي التكريتي المتوفي سنة 975، وأبا بشير متى بن يونس، و الجاثليق يوحنا بن عيسى، و أبا الفتح بن صاعد و عيسى بن زرعة. ولابد أنْ نذكر ما كان لمدينة تكريت من أثر بالغ نظراً لكونها آنذاك مركزاً مهماً من مراكز المسيحية حيث كانت مقراً لمطارنة الشرق وهو منصب يلي منصب البطريرك، وعُدّت المدينة مركز إشعاع حضاري، فأعطت الكثير من الأدباء والمفكرين واستمرت في عطائها ردحاً من الزمن ليس بالقصير حتى تبدلت الاوضاع فيها و اضطر البطريرك على نقل كرسيه الى الموصل، وهجرها أغلب سكانها شمالاً باتجاه دجلة الى الموصل والقرى التابعة لها تخلصاً من الاضطهاد .

    أمّا في الميدان الطبي فقد كان للمسيحين خلال العصر العباسي حضور واضح وفاعل، فالتاريخ يذكر لنا أسرة بختيشوع الطبية الشهيرة وكان اكثرهم قد تخّرج من مدرسة جنديسابور في الاهواز، وهذه الاسرة قدّمت خدمات جُلَّى في الأمور الطبية وفي ميدان الترجمة والتأليف وقد عاصروا خمسة خلفاء عباسيين يأتي ذكرهم في كتاب “عيون الانباء في طبقات الاطباء” لأبن أبي أصيبعة الخزرجي وقد حصلوا على مقام رفيع ونالوا حظوة لدى الخلفاء ولدى عامة الناس، وكدليل على تمسك هذه الأسرة بدينها وتقاليدها يذكر الخزرجي أنّ الطبيب جرجيس ابن جبرائيل لم يقبل هدية الخليفة المنصور من الجواري تكريماً ومكافأة له لأنه كما قال “نحن معشر المسيحيين لا نتزوج بأكثر من اِمرأة”.

     ومن الجدير بالذكر، أنّ كثيراً من رجال الدين وحتى نهايات القرن التاسع عشر كانوا يمارسون هذه المهنة في الوقت الذي لم يكن هناك طبيب قانوني، معتمدين فقط على المخطوطات والكتب التي كانت في أيديهم وحازوا على شهرة في هذا الميدان.

     لقد حاول الخلفاء العباسيون الاستفادة من خبرة المسيحيين في إدارة الدولة، وتطورّها. ومن أبرز الشواهد أنّ الخليفة أبا جعفر المنصور، استعان عام 762م ببعض الخبراء المسيحيين، لتحديد موقع بناء عاصمة الخلافة العباسية الجديدة (مدينة بغداد) ولم يبخلوا عليه بالرأي السديد فقالوا له حسب ما ورد عن ابن عزالدين ابو الحسن في كتابه “الكامل في التاريخ “: “يا أمير المؤمين تكون على الصراة بين دجلة والفرات، فاذا حاربك أحد كانت دجلة والفرات خنادق لمدينتك”، فأمر ببنائها على الفور.

     إن اعتماد الخليفة المنصور آراء المسيحيين في بناء مدينة مهمة للمسلميين كبغداد يُعدُّ أمراً يدل على الأمانة وصدق التعامل بين الطرفين بهدف المصالح المتبادلة التي تخدم البناء الحضاري بأسلوب سلمي .

     في الحقيقة، لقد بدأت العلاقات الاجتماعية بين المسلميين والمسيحيين منذ بناء مدينة بغداد عام 762م، كعاصمة للخلافة العباسية حينها قصدها العديد من المسيحيين، لتوفر سبل المعيشة الكريمة فيها أكثر من غيرها، فاستقبلهم المسلمون بالمعاملة الحسنة. وعندما أراد المسيحيون التوطّنَ في مدينة بغداد، خصّصَ الخليفة أبو جعفر المنصور، أماكن سكنية جيدة لهم مثل سوق الثلاثاء ومحلة الشماسية ومنطقة الكرخ .

     وقد اعتاد الخلفاء وعامة المسلمين قي رحلاتهم على التعريج على أديرة المسيحيين بهدف الراحة، والاستجمام بعد رحلة شاقة , خاصة اذا علمنا أنّ تصاميم بناء الأديرة كانت في غاية الجمال وذواتِ رياضٍ فسيحةٍ، تضم مزارع أشجار مثمرة .

مقالات ذات صلة