سوء “حظ الطيبين” في زمن مختلٍّ…




سألته عمّا يقصده، فأجاب بعد صمت قصير: “لقد تعبتُ من التعامل مع الناس بالأدب الذي تعلّمناه. ربّانا أهلنا على الاحترام، على تقدير الآخر، على ضبط النفس، على توقير الكبير والعطف على الصغير، لكنَّ الواقع لا يعمل بهذه القواعد، فالذين هم حولك يستثمرون هذه الصفات لصالحهم، وفي النهاية تتحمّل أنت الخسارة. لم يعلّمنا أبوانا، كيف نكون حازمين حين يجب، ولا كيف نضع حداً صارماً عندما تُنتهك حقوقنا”.
لم يكن كلام صديقي أبي يوسف شكوى شخصية، بل توصيفاً لخلل متكرر في العلاقات الإنسانية. فالمفارقة التي يواجهها الإنسان المتزن اليوم هي أن التزامه بالقيم لا يمنحه حماية تلقائية، بل يضعه أحياناً في موقع الاستغلال. لا لأن الأخلاق فقدت قيمتها، بل لأن الواقع لم يعد يتعامل معها بوصفها قاعدة مشتركة.
في كثير من السياقات، يتحوّل السلوك النبيل إلى فرصة للآخرين. الكريم يُستنزف من قبل البخلاء الذين اعتادوا الأخذ دون ردّ، والخجول يُحمَّل أعباء غيره من الكسولين الذين يطمحون إلى نيلِ كلِّ شيءٍ بلا جهد، والمتسامح يُطالَب دائماً بالتنازل لأنه “يتفهّم”، بينما يُعفى المتصلّب من أي مراجعة بحجة طبعه. حتى الصادق، في بيئات مختلّة، يصبح هدفاً أسهل من المخادِع؛ لأن وضوحه يُقابَل بالتحايل لا بالاحترام. والعرب اعتادت على القول “إنّ الكريمَ، إذا خادعتهُ انخدعا”!!.
المشكلة ليست في هذه الصفات بحد ذاتها، بل في غياب التوازن بينها وبين القدرة على المواجهة. حين تُزرع الأخلاق دون أن تُرفق بمهارات حماية الذات، تتحوّل من مصدر قوة داخلية إلى عبء عملي. الإنسان الذي تعلّم تهذيب ردّة فعله، ولم يتعلّم في المقابل كيف يقول “لا” بوضوح، يجد نفسه دائماً في موقع المتلقي لا الفاعل.

هذا الاختلال يُولّد صراعاً داخلياً صامتاً: رغبة في الحفاظ على صورة الذات كما تشكّلت بالتربية، مقابل حاجة واقعية إلى الحزم لحماية الكرامة. وغالباً ما ينتهي هذا الصراع بجلد الذات بعد كل موقف، لا بمساءلة الطرف المتجاوز؛ لأن الإنسان المتزن يميل بطبيعته إلى محاسبة نفسه قبل اتهام غيره.
بعض العلاقات لا تفشل بسبب سوء التفاهم، بل بسبب اختلاف المرجعيات. حين يتعامل طرف بمنطق القيم، ويتعامل الآخر بمنطق المنفعة، لا تكون المشكلة لغوية أو سلوكية، بل بنيوية. في مثل هذا الواقع، لا يصبح الأدب لغة مشتركة، بل حالة استثنائية يُساء تفسيرها أو يُساء استخدامها.
ومع ذلك، فإنَّ الحلَّ لا يكمن في استبدال القيم بنقيضها، ولا في التحوّل إلى نسخة أكثر خشونة من الواقع. الحل يكمن في إعادة تعريف الأخلاق ذاتها: فالاحترام لا يعني القبول، والتهذيب لا يساوي التنازل، وضبط النفس لا يلغي الحزم. التربية الجيدة ليست خطأ، لكن الاكتفاء بها دون تعلُّم القدرة على المواجهة يجعل صاحبها يدفع ثمناً مضاعفاً
إن ثمن التربية الجيدة قد يكون مرتفعاً في عالم مختلِّ المعايير، لكنّه أقل كلفةً من خسارة الذات. فليس كل من قسا نجا، وليس كل من صمت انهزم، وأحياناً تكون القوة الحقيقية في أن تحافظ على قيمك، مع امتلاك الشجاعة الكافية للدفاع عنها حين يلزم.
إنّ من السليم جداً قول الإنكليز:
“Treat others as you would like to be treated“. أي عامل الناس، كما تحبّ أنْ يعاملوك.





