“خلوة النقص”: لا بد من نص كي لا نموت




لا دليل يقيني على أن هذا النص رواية. ولكن فلنسلّم أنها رواية، ونقول إننا أمام رواية يتناوب فيها ضميران، تارة الهو، وتارة الأنا، فهي الراوية والبطلة في الوقت نفسه. تروي لنا رحلتها مع علاج مرض في الرئتين.
وهي تروي هذه المعاناة تستذكر لحظات تراها حاسمة في حياتها. فتحت أثر الوجع، وترقب الأسوأ، بين جدران غرفة المستشفى الباريسي، تأتي الذكريات متقطعة كحشرجة النفس عند النهايات. تنتقي الراوية من عمرها المديد بعضًا من اللحظات التي تراها فارقة تؤرّخ للفراق والذهاب نحو المجهول في فترات مختلفة من زمن الطفولة والشباب. وكأنها تعترف للمرض والجسد والورق. ولولا أهمية تلك الذكريات لما تذكرتها في هذه السّاعات الحرجة التي تقترب فيها من الهاوية، ثم تتراجع.
وتتمحور الذكريات حول مكانين حميميين: الأول هو الوطن الكبير العراق، والثاني هو الوطن البديل باريس، وأساسًا بيتها الضيق في الضاحية الخامسة عشرة. أما العراق بالنسبة للراوية فهو الطفولة، ودروس الجدة، والمراهقة، والتدرّب على الرفض، والهروب من الوطن بسبب الحب للحاق بمحبوبها في بيروت سنة 1964، وتذكر التاريخ وكأنها واثقة من أن هذا التاريخ يعني شخصًا بعينه، ولا يعنينا نحن كقراء. وكأنها تذكّر من تريده أن يتذكّر. وفي العراق تستذكر أجواء الكرادة والصالحية.
أما في باريس، فنحن أمام ذكريات الأمكنة الحميمة، وأساس بيتها وجيرانها وجارها الفرنسي الذي مات من دون أن تنتبه عائلته إلى أنه لم يعد موجودًا. في هذا البيت، كانت وحيدة تتحدث مع نباتاتها الصغيرة التي هي أيضًا تمرض مثلنا فلا تقوى على تسلق الجدران بعدما كانت مليئة بالشغف والعنفوان.
تستذكر البطلة أيضًا كل ما تستطيعه لتجعل من لحظة المرض تجربة غير مضمونة لإلهاء الموت كي لا يأتي. ولكنها في النهاية لم تُخف الحقيقة، وهي أنها عليلة، وتبحث عن حل لمأزق اسمه المرض في مكان “لا شيء يجعل الميت هنا ميّتًا إلا انتباهات الغير” (ص 62).
“خلوة النقص” نصٌّ موسوم في صفحة غلافه أنه “رواية” كي تعرف دار النشر في أي رف تضعه، وينتبه القارئ إلى العنوان والجنس الأدبي، ولا يعلم أنه سيتورّط في نص ماكر يظهر ما لا يبطن، لأنّ من يقرأ الكتاب يجد فيه كل شيء، بما في ذلك الرواية. يجد الشعر والسيرة والخرافة والتاريخ، وشيئًا قريبًا من المقال، وحديثًا فلسفيًا، وروحًا تفيض بما لديها.
فهو رواية إذا رأينا أن رحلة الاستشفاء في مشفى عسكري في باريس ترقى كحدث إلى أن يكون رواية. وأن هنالك إطارًا مكانيًا حاضرًا وذكرى، وكذا الإطار الزماني، وهنالك بطلة راوية. لكن القارئ يجد أشياء أخرى تشككه في روائية الرواية. فهل الرواية تستوعب كل هذا؟ ربّما؟ لأن عالية ممدوح في حالة مرضها الحقيقية لم تعد تكترث بالتصنيف، وتركت الأمر للناشر، أو للقارئ، أو للصدفة، أو للنص نفسه.

إنها رواية بلا أحداث تُذكر، لأن الحدث الأساسي ليس فعل الشخصية في الزمان والمكان، وإنما الحدث المركزي لهذه الرواية هو حدث الكتابة، والباقي كله تفاصيل وتضليل ذكي أحسنت فيه عالية ممدوح حبك الخديعة، كي تحتفظ لنفسها بالبطولة كلها. وهل من بطولة أعلى من بطولة الكتابة لدى أي كاتب؟ وفي النهاية، تظلّ الكتابة في حالة عالية هي المنجاة الوحيدة التي لا يطاولها الموت.
من كان يخشى أحاديث المرض والموت والوجع فلا يقرأنّ هذا الكتاب. ومن كان يكمن في ركن من أركان النقد كمخبر كسول يريد أن يورّط الكاتب لدى أجهزة النقد، ويصنّف الكتاب رواية، أو ملحمة، فسيجد ما يستدل عليه كي يصنّف هذا النص مشاغبًا متآمرًا على مملكة الوجود العضود.
إذًا، كي لا نضيّع وقت بعضنا بعضًا في الهراء النقدي، لم تكن الرّاوية البطلة في النهاية سوى عالية ممدوح، فكان المرض مرضها، والقلم قلمها، واللغة لغتها، والتاريخ تاريخها، والعراق عراقها. فعندما يحل المرض ضيفًا على الرئتين لا سبيل للمناورة، ولا ينفع الاختفاء خلف راو عليم، أو حتّى غشيم.
ولكنْ كي نخفف من رائحة المستشفى في النص، نقول إنه عندما يمرض كاتب، أو كاتبة، لا يجب أن نخاف كثيرًا، فالكتّاب لهم شعوذاتهم في تدبّر ألاعيب الوجود. وأهمها السرد واللغة الحرباء، ولا يطمئن الكتاب المرضى للغة كثيرًا.
أيضًا، لا يجب أن نبتهج عند مرض الكتّاب، فهم أكثر الكائنات هشاشة عند الوجع. فما يجعل الاختلاف بين المريض العادي والمريض الكاتب هو أن الكاتب يبيع ويشتري مع المرض أيامًا وليالي ليربح نصه. والمأساة الكبرى أن قارئه لا يصدّقه وهو يحكي مأساته، لأنه يعتقد أن كل الحكايات هي رغوة الخيال الطافية فوق النصوص. مشكلة الكاتب المريض أنه حينما يكتب لا يصدقه القرّاء. أما المريض العادي فبمجرّد أن يقول إنني مريض تكفي شهادة طبيب لنصدّقه. إنه الفرق بين الوجع والوعي بالوجع.
في هذا النص راوية تعلن عن نفسها بضمير المتكلم في كثير من الأحيان. فيتقاطع النص مع السيرة عبر وسيط التواريخ والأمكنة والذكريات، حتى نعتقد أننا أمام مريض يدوّن وصاياه قبل الرحيل. ثم تنقلب الراوية ذاتها إلى امرأة مفعمة بالخيال، لتحوّل التفاصيل الواقعيّة في مستشفى فرنسي إلى حوار مع المرض والموت المستوطن في الرئتين ناعسًا لم يحن وقت إيقاظه بعد، لسبب ما في القدر. تتحدث معهما تبحث عنهما محوّلة حوارها إلى هذيان. ثم تتقلب في فراش مرضها لترمي لنا ما تيسّر من حب، وتحدّثنا عن محبوبها الذي يبدو أنه ميت، وهي لا تريده أن يموت، أو هو حي مات ولم تدفنه بعد. وبين هذا وذاك نراها طفلةً تتأمل بائع الشاي في الصالحية في بغداد، وتدقق النّظر في خشونة يده، وعِرق العراق الخشن. تقف الراوية على هاوية الموت ولا تسقط، بل تعبّد المسافة بينها وبين الهاوية بالكتابة.
“ليس على المريض حرج”، ولا على السّارد حرج. فلم تكن عالية ممدوح في نصها مريضًا عاديًّا ينتظر حتّى يأتيه المرض فيهرب إلى الطب. عالية هي التي ذهبت إلى الطبيب تبحث عن مرض يسكن بيتها وذاكرتها وجسدها ونصّها كعنكبوت تتكاثر خيوطه في زاوية من زوايا الحياة.

مرَضٌ حوّل كما قالت “الرئتين إلى جلد نمر مرقّط”، وجعل من ألبير كامو يحضر في السرد بكامل عبثيته. ليقول “لنتصوّر سيزيف سعيدًا”. لأنّ هذا الوجود لا يحتاج عقلًا كي ينتظم كما نريده. بل يحتاج فقط تجربة. ثم تجد في شوبنهاور الفوضوي نصيرًا لها في معركتها غير المنطقية مع الموت، وتردّد معه “ها قد تخلّصنا من هذه الورطة بسلام” ويقصد الحياة (ص 88) لأجل هذا وذاك ذهبت عالية يرجليها تبحث عن المرض، فوجدته أجيرًا رثًّا يشتغل عند زعيم اسمه الموت.
عقدت عالية ممدوح في “خلوة النقص” صفقة مع الزعيم/ الموت ومعاونه المرض، صفقة خطيرة. أبرمتها بنديّة، مثلما تفرض الضرورة صفقات مشبوهة بين التجار المحترمين ومبيّضي الأموال. كان لا بدّ من الذهاب إليهما. فلا تنتظرْ عدوّك مهما كبُر، بل اذهب إليه، إما لتحارب، أو لتصالح…
وتعلنها البطلة منذ البداية للقارئ وللموت وللمرض وللطب والتاريخ: أنها عاشت في عائلة تعرف الموت جيدًا، “فأمها ماتت مرّات كثيرة”. ومنذ البداية، دخلت في الموضوع مباشرة، ولم تنتظر حتى تصنع حركات سرديّة عدة كي تدخلنا في القصة. فألقت المأساة في وجوهنا منذ النصوص الشعرية الافتتاحية، وسرد أمراض العائلة التي عاشت تقتات من موت، ويقتات منها.
يتّسم سرد عالية ممدوح بالهذيان. يرتقي أحيانًا إلى قمّة الشعر، وينزل إلى أسفل طبقات الحكي الشعبي باللهجة العراقية. يعرّج على أقوال الحكماء والفلاسفة، وينزل إلى ما يقوله بائع الشاي، وسائق الحافلة. سرد يعجن الأمكنة والأزمنة في لقمة واحدة. يعود إلى أقدم لحظة في الزمان، إلى الطفولة التي صنعها حضور الجدة، كأنّ الطفولة جدّة، أولا تكون.
غابت الأم، وغاب الأب، وحضرت الجدة والمحبوب، والبقية أطياف عابرة. ثمّ مِن هناك، من العراق والستينيات، تعود بسرعة البرق إلى زمن الحكي والحاضر، حيث الممرّضات القويّات الجميلات، والطبيب اللّطيف، وهم أيضًا كومبارس في فيلم يكرّمهم من دون أن يجعل منهم أبطالًا. وفي لحظات كثيرة تؤرخ لما ترى أنه جدير بالتأريخ كحديثها من تاريخ مستشفيات باريس (ص 99)، أو تاريخ شركة النقل بين بغداد وبيروت. إنها تريد أن تقول إنها ليست كما نظنّ ما زالت تعرف التاريخ والجغرافيا والحب وكثيرًا من معارف عصرها. وهذا دليل شفاء.

من خلال “خلوة النقص”، كي تكتب المرض، يجب أن تكون راويًا مريضًا لا يلتزم ضوابط السرد المعتاد. ومن سمة “السّرد المريض” أن لا يتوقّف طويلًا في الزمان، ولا في المكان، وهذا ما فعلته عالية الراوية. تكفي رمزيات قليلة، فالمزاج لا يسمح بمزيد من النكد.
نلاحظ أنّ الأمكنة في أغلبها مغلقة: غرفة المشفى، والطابقان السفليان ناقص واحد وناقص اثنين، وبيتها القديم في العراق، والحافلة، وبيتها الباريسي الذي يشبه خلوة للاعتراف، وأماكن أخرى تحدّها الجدران. لا يمكن لمن أصابته علّة وتمكّنت من جسده حدّ الهذيان أن يرى الحياة فسيحة. يجب أن يختبئ في أصغر مساحة لا يطاولها المرض، إنها الذاكرة. تكفي المريضة أمكنة أوسع قليلًا من الجسد الذي يوشك أن يفقد صلاحيته ويصبح من الواجب الخروج منه لأنه آيل للسقوط. والمأساة أنها لا تملك مكانًا آخر غير الجسد. فهو المكان الحقيقي الوحيد والمتوفر في حاضر الكتابة، إنه هذا الشيء المعروض كأي بضاعة قديمة “كما لو أننا كنّا في سوق البالة ولا ندري هل نصلح للفرجة… ونحن نقف أمام الممرضات” (ص 112).
في هذه المحنة، حاولت البطلة أن تصادق اللّغة، لكن اللغة كانت صديقة متآمرة، أو في أقل الأوصاف رفيقة مقصّرة لم تراع ماء الحقيقة وملح المجاز. فعندما جدّ الجد تركتها مع المرض بلا لسان، فكرهت عالية اللغة ولعنتها في مواضع كثيرة. تقول “لاحظت أنّ الكلمات في الكرّاسة المفتوحة لم تعد تنصاع لبوح المؤلفة، وبدا لي أنّ لا فائدة ترجى من انكشاف أمرها بهذه الصورة المزرية” (ص 176). تلعن اللغة كي تصرف أنظارنا عن البحث في جنس النص وأسلوبه، لأنه لا يحيل إلا إلى جسد يعرّف نفسه بأنه مريض. وهذا يكفي كي يكون جديرًا بالاحترام ونسمح له بقول ما يريد. أما تلك اللغة التي تصلح لكل شيء فلا حاجة لها بها وهي تفاوض الموت.
فعندما يتكلم الجسد تخرس اللغة، بل تصبح مجرد دليل مضلّل على المعنى العابر كشبح بين الظلال. وعندما تفشل اللغة لا تجد عالية إلى جانبها سوى بضع صديقات حميمات يأخذن بيدها إلى نصّها، وإلى الحياة. هناك صَفَت اللغة ورقّت من جديد.

تروي عالية ممدوح تفاصيل المرض بلغة مريضة تشبه جسدها. وكي تصل اللغة إلى حافة الهلاك يرتفع المجاز ساخرًا من الحقيقة الممددة على سرير يتناوب عليه الأطباء والممرضون في لحظة فارقة لم تعد تمتلك فيها جسدها، فقد أصبح “من أملاك المستشفى” (ص 172). قايضت جسدها بنص.
فللمستشفى الجسد، ولعالية الكتابة. وكي يكون المرض أقل بؤسًا رضيت بالهزيمة أمامه التزامًا بتلك الصفقة إياها بين تاجر محترم وزعيم خطر. ورضيت بالهزيمة من أجل نجاتها ونجاتنا أيضًا، لأنّه دائمًا “هناك مهزوم يدير شؤون المهزومين فتترك الهزيمة ذخيرة عامّة للتمارين الآتية” (ص 177) وما بقية المهزومين إلا نحن القرّاء.
في آخر النص، وبعد الطب، ومشيئة الرب، والدواء، والذكريات، والمحبوب الذي لم يشأ أن يموت رغم أنّه مدفون في مكان ما، ظلّت البطلة المريضة تمطّط تلك الرحلة الليلية من بغداد إلى بيروت كي تلتقي بمحبوبها مرة أخرى وهي مريضة في باريس بعد ستين سنة من انطلاق الباص من الكرادة نحو الرمادي فالشام فبيروت. داوت نفسها بالطب والذكريات، وخرجت بأخف الأضرار.
لا توجد حرب بلا جراحات، ومهما يكبر العدو لا بد من أن يخدشه خصمه الضعيف. وعالية خدشت كرامة المرض مثلما بقّع هو رئتيها. فأخذ هو السعال، وربحت عالية النص “هيّا حدّقي في أحد جوانب المرض وهو يتحوّل إلى صيد أدبي” (ص 184) والنصر صبر فكرة. روّضتها عالية، ثمّ كتبتها.
لقد أحسنت إدراة المعركة، ونجت مرات ومرات، لنجدها في برشلونة في آخر الحكاية/ المعركة تلقي محاضرتها إلى الطلبة لتفضح المرض أمام الأشهاد.





