أدب

قراءة في “حكاية من لا اسم له” للشاعر الكبير حميد سعيد

ولهذا يأتي العنوان: “من لا اسم له“.

فالاسم هنا ليس مجرد علامة شخصية، وإنما هو أول شروط الاعتراف بالإنسان. وحين يفقد الإنسان اسمه، يصبح وجوده الاجتماعي مهددًا بالمحو، حتى لو ظل جسده حاضرًا في المكان.

تبدأ القصيدة بصورة تكشف هذه المفارقة:

امتلأت جدرانُ الحي وأعمدة النور

بإعلاناتٍ..

صور رجالٍ يبتسمون.. لمن لا يلتفتون إليهم

الجدران ممتلئة بالوجوه، لكن الإنسان الحقيقي غائب عنها. والوجوه المعلقة تبتسم، لكنها لا تلتفت إلى من يُفترض أنها جاءت من أجله.

إنها ابتسامة بلا علاقة.

وحين يقترب “من لا اسم له” منهم “كي يعلم ما لا يعلم عنهم”، فإنه لا يبحث عن السياسة وحدها، بل يحاول عبور المسافة بين الصورة والإنسان؛ يريد أن يعرف من يقف خلف الوجه المعلّق. لكنهم “نفروا عنه“.

وهنا تبدأ الهجرة الحقيقية.

فالمأساة ليست أنهم منعوه من المكان، وإنما أنهم منعوه من العلاقة. لقد بقي في الحي، لكنه صار غريبًا عن الذين يملأون فضاءه. ومن هنا يمكن القول إن القصيدة تعيد تعريف الهجرة: الهجرة لا تبدأ حين يغادر الإنسان المكان، بل حين يصبح المكان عاجزًا عن استقباله بوصفه إنسانًا.

ويأتي البياض:

وظلَّ وحيدًا..

. . . . . .

. . . . . .”

وهذا البياض ليس مجرد فاصل بصري. إنه المسافة التي نشأت بين الإنسان والمدينة، بين الكلام ومن يستمع إليه. فالقصيدة نفسها تتوقف لحظة، كأن اللغة عجزت عن ردم المسافة التي عجز المجتمع عن ردمها.

ثم يظهر رجل آخر:

قال له رجلٌ لا اسم له..”

والتكرار مقصود؛ فالرجلان بلا اسم، وكأن الشاعر لا يريد شخصيتين محددتين، بل يريد مرآتين لاغتراب واحد.

يقول له:

لرجال الإعلانات المبتسمين.. مآرب أخرى

أولئكَ يقتنصون الأصواتْ

وأنا مثلك..

لا صوتَ لنا..”

هنا تنتقل القصيدة من الاسم إلى الصوت.

رجال الإعلانات يريدون “الأصوات”، لكنهم لا يريدون بالضرورة الإنسان الذي يمتلك هذه الأصوات. يصبح الصوت شيئًا يُقتنص، أي يتحول من حق إنساني إلى مادة للاستخدام.

لكن الرجل الآخر يفاجئه:

لي صوتٌ.. غنَّيتُ به من أحببت..

وإذْ رَحَلَتْ

غنَّيتُ لنفسي

وهذه من أجمل لحظات القصيدة؛ لأن الصوت ينتقل فجأة من المجال السياسي إلى المجال الوجودي.

إنه يقول: نعم، لي صوت.

لكن صوتي ليس الصوت الذي يبحث عنه رجال الإعلانات. إنه صوت الحب، ثم صوت الذات حين غاب الحبيب.

وهنا تستعيد الشخصية شيئًا من كينونتها. لقد فقدت الاعتراف الخارجي، لكنها لم تفقد صوتها الداخلي.

غير أن القصيدة لا تمنح هذا الصوت خلاصًا سهلًا:

ويغنّي..

لكن من يسمعهُ في هذا البازار؟!”

كلمة “البازار” هنا تتجاوز معناها المباشر. إنها صورة لعالم كثرت فيه الأصوات حتى صار الصوت الإنساني نفسه غير مسموع. الجميع يتكلم، والجميع يريد شيئًا، والجميع يقتنص أصوات الآخرين، لكن لا أحد يصغي.

ومن هنا يمكن أن يكون اغتراب المهاجر في القصيدة أعمق من فقدان المكان: إنه فقدان المستمع.

ثم يمضي:

فمضى في وحدته.. يتخيَّلُ مدناً أخرى..

تتبعهُ الأمطارْ

وتحِفُّ به الأشجارْ

وهنا تحدث الهجرة التي لا تحتاج إلى طريق.

لم يحمل الرجل حقيبة، ولم يغادر مدينته، لكنه بدأ يغادرها في داخله. إنه يتخيل “مدنًا أخرى”، غير أن الشاعر لا يصف عمرانها ولا شوارعها، بل يختزلها في المطر والأشجار.

وهذه إشارة شديدة الجمال: المدينة البديلة ليست مدينة مكتملة، وإنما مكان يستطيع الإنسان أن يشعر فيه بأنه محاط بالطبيعة بدل أن يكون محاصرًا بالصور.

المطر يتبعه.

والأشجار تحف به.

كأن الطبيعة تمنحه ما لم تمنحه المدينة: الاعتراف الصامت بوجوده.

ثم تعود القصيدة إلى الزمن:

بعد أسابيعْ

أنزلَ عمّالُ البلدية عن جدران الحيِّ وأعمدةِ النورْ

صورًا.. بملامحَ أخرى

تتغير الصور.

تتغير الوجوه.

لكن شيئًا واحدًا لا يتغير: علاقة الإنسان بها.

وهنا يتحول التكرار إلى أداة نقدية؛ فالوجوه قابلة للاستبدال، أما الإنسان المهمَّش فيبقى في مكانه.

ولعل في “عمّال البلدية” دلالة أبعد من وظيفتهم المباشرة؛ فهم لا يزيلون الصور فقط، وإنما يشاركون، من حيث لا يقصدون، في تبديل ذاكرة المدينة البصرية. وجه يُمحى، ووجه يُعلّق، وابتسامة تستبدل بابتسامة.

أما “من لا اسم له” فيبقى شاهدًا على هذا التبدل.

ولهذا تأتي الجملة:

أهو الخُذلان؟

إنه سؤال القصيدة الأخلاقي. لكنها لا تجيب عنه مباشرة، بل تتركه يتراكم تحت الكلام، حتى تقول:

ينهضُ مما راكم عمّالُ البلديةِ..”

وهنا تتحول الصور المزالة إلى شيء يشبه الطبقات المدفونة. كأن المدينة، حين أزالت وجوهها، لم تستطع إزالة ما تحتها.

ينهض أشخاص:

بملامح لا يتبينها من لا اسم له..

يعتذرون إليهْ

والمفارقة هنا عميقة: الذين كانوا في البداية أصحاب الوجوه الواضحة، صاروا الآن بملامح لا يستطيع “من لا اسم له” أن يتبينها. أما هو، الذي كان بلا اسم، فقد أصبح صاحب القدرة على رؤية ما وراء الوجوه.

ثم يأتي الاعتذار متأخرًا:

أكُنّا نتطلَّعُ نحو مدائنَ ما عادَ يُقيمُ بها إنسانْ

وكنت تمرُّ بنا.. ننفرُ عنكَ

هنا تكشف القصيدة خطأ المدينة الحقيقي: لقد كانت تتطلع إلى مدن أخرى، إلى صور أخرى، إلى احتمالات أخرى، بينما كان الإنسان الحقيقي يمر أمامها.

ولذلك فإن الهجرة في القصيدة لا تخص الرجل وحده.

إن الآخرين هاجروا أيضًا، ولكنهم هاجروا بعيدًا عن الإنسان.

هو تخيل مدنًا أخرى بحثًا عن إنسانيتها؛ وهم تطلعوا إلى مدائن “ما عاد يقيم بها إنسان“.

هو ابتعد في خياله عن مدينة لم تعد تراه.

وهم ابتعدوا في أوهامهم عن الإنسان الذي كان يمر بينهم.

وهنا يبلغ عنوان هذه القراءة معناه الكامل:

حين هاجرت المدينة من الإنسان.

فليست الحكاية حكاية رجل هاجر من مدينته، بل حكاية مدينة هجرت الإنسان الذي يسكنها.

أما النهاية فتقدم الانقلاب الأكبر:

الآن..

يتجلّى في وحدتك.. الإنسانْ

في بداية القصيدة كان:

من لا اسم له.

وفي نهايتها يصبح:

الإنسان.

وبين التعبيرين تجري الرحلة كلها.

بدأ الرجل فاقدًا للاسم، وانتهى مستعيدًا جوهره.

بدأ خارج الصورة، وانتهى خارج الحاجة إليها.

بدأ بلا صوت مسموع، وانتهى ممتلكًا صوته الداخلي.

وبدأت وحدته بوصفها خذلانًا، ثم انتهت بوصفها المكان الذي يتجلى فيه الإنسان.

وهذه، في تقديري، أعمق نقطة فلسفية في القصيدة: الإنسان لا يستعيد ذاته دائمًا حين يجد الآخرين؛ أحيانًا لا يجدها إلا عندما يسقط عنه الآخرون.

فحين ابتعدت عنه المدينة، اضطر إلى العودة إلى نفسه.

وحين لم يسمعه أحد، بدأ يغني لنفسه.

وحين لم يجد مدينة تحتضنه، صنع في خياله مدنًا تتبعه فيها الأمطار وتحف به الأشجار.

إنها ليست وحدة الاستسلام، وإنما وحدة انكشاف الذات.

ومن هنا تتخذ مفردات القصيدة مسارًا متدرجًا بالغ الدلالة:

الاسم → الصورة → الصوت → البازار → المدينة الأخرى → الوحدة → الإنسان.

في البداية يُسلب الإنسان اسمه.

ثم يُستبدل حضوره بصورة.

ثم يُراد لصوته أن يكون مجرد “صوت” يُقتنص.

ثم يجد نفسه في “بازار” لا أحد فيه يصغي.

ثم يهاجر إلى مدن متخيلة.

ثم يدخل وحدته.

وهناك فقط يتجلى الإنسان.

لهذا فإن “من لا اسم له” ليس شخصًا مجهولًا بقدر ما هو إنسان جرى اختزال وجوده حتى لم يبقَ له اسم. وعندما تقول القصيدة في نهايتها “الإنسان”، فإنها لا تمنحه اسمًا جديدًا فحسب، وإنما تستعيد له حقه في الوجود.

وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات جمالًا في القصيدة: الذين امتلكوا الأسماء والصور والأعمدة والجدران كانوا الأكثر حضورًا في المشهد، لكنهم كانوا الأقل حضورًا في الإنسان؛ أما الذي لم يكن له اسم، فقد انتهى إلى أن يكون الاسم الأوسع: الإنسان.

وهكذا لا تكون القصيدة حكاية سياسية عن صور انتخابية وحسب، ولا حكاية اجتماعية عن التهميش، ولا حتى حكاية مهاجر بالمعنى المألوف؛ إنها، في جوهرها، سؤال عن معنى أن يكون الإنسان حاضرًا في مكان لا يعترف بحضوره.

وإذا كان المهاجر التقليدي يغادر وطنًا بحثًا عن وطن آخر، فإن مهاجر هذه القصيدة يبحث عن شيء أسبق من الوطن: يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يكون إنسانًا دون أن يطلب منه أحد إثبات ذلك.

ولهذا فإن أكثر ما يؤلم في القصيدة أن الرجل لم يحتج إلى عبور الحدود.

لقد كان داخل وطنه.

لكن الوطن هو الذي عبر بعيدًا عنه.

ومن هنا تصبح الجملة الأخيرة أكثر من خاتمة:

يتجلّى في وحدتك.. الإنسانْ

إنها ليست فقط خاتمة الحكاية، بل إعادة كتابة لمصير الشخصية كلها.

لقد بدأ بوصفه “من لا اسم له”، وانتهى بوصفه “الإنسان“.

وبينهما اكتشف أن المكان قد يرفضك، والصورة قد تخونك، والصوت قد يضيع في البازار، والآخر قد ينفر منك؛ لكن ذلك كله لا يستطيع أن ينتزع منك آخر موطن:

أن تكون أنت.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق