أدب
“نقدٌ على نقدٍ”..لقصيدة الشاعر الكبير حميد سعيد “تَخْطيطاتٌ بِالفَحْمِ وَالدَّمِ عَلَى جُدْرانِ المَتْحَفِ العِراقِيّ”




ما يستوقفني في هذا النص ان الفحم والدم لم يعودا مجرد مفردتين في العنوان بل صارا طريقتين في الكتابة فالفحم يرسم ما عجزت الذاكرة عن محوه والدم يكتب ما حاول الخراب ان يطمسه فهل يمكن للشاعر بعد كل هذا ان يظل مجرد شاعر؟ ام ان اللحظة التاريخية القاسية تستدعي منه ان يكون شاهدا وناجيا ومتهما وسائلا في الوقت نفسه؟
ولقد احسنتِ حين لم تتعاملي مع القصيدة باعتبارها مرثية للعراق فقط فالعراق هنا ليس جغرافيا تنزف وانما ذاكرة حضارة كاملة تقف امام لصوص التاريخ وهي ترى سبعة كهان من اور وسبعة حكماء من بابل وسبع اميرات من اشور يطاردهم وحش العتمة من حقل النور.

وهنا يصبح السؤال اكثر قسوة من الاجابة:
من الذي ينهب المتحف حين تمتد اليد إلى الحجر؟
ومن الذي ينهب الذاكرة حين تمتد اليد إلى المعنى؟
ومن الذي يستطيع ان يعيد وطنا بعدما يصبح الخراب نفسه بستانا يثمر الخراب؟
اما توقفك عند النهاية حيث تتكسر كلمة الخراب نفسها في عم الخرا… فهو من اجمل مفاتيح القراءة لان الشاعر هنا لا يترك الجملة ناقصة عبثا بل يجعل اللغة نفسها تنهار تحت وطأة ما رأت وكأن الحروف وصلت إلى حافة العجز فلم تعد قادرة على اتمام الكلمة.
وهنا تكمن قوة النص وقوة قراءتك له ايضا.
لقد وضعت يدك على قصيدة لا تريد ان تقدم اجابة بقدر ما تريد ان تفتح جرحا في الذاكرة ثم تترك القارئ واقفا امامه.





