رأي

ضياء حسن..شيخ الصحافة الرياضية الذي لم يغادر العراق

ولد في مدينة البصرة عام 1934، في زمن كان العراق يشهد بدايات تشكل الحياة الثقافية والإعلامية الحديثة. وفي المدينة الجنوبية التي عُرفت بانفتاحها على العالم وبحيويتها الثقافية، تشكل وعيه الأول، وتفتحت عيناه على عالم الصحافة الذي كان آنذاك واحداً من أكثر المهن تأثيراً في الرأي العام وصناعة الوعي الوطني.

ومنذ سنوات شبابه المبكرة وجد نفسه مشدوداً إلى عالم الصحافة والكتابة، فدخل المهنة عام 1950 عبر جريدة «الأخبار»، ليبدأ رحلة طويلة امتدت أكثر من ستين عاماً، تنقل خلالها بين مؤسسات صحفية عديدة، وأصبح شاهداً على أهم التحولات السياسية والاجتماعية والرياضية التي شهدها العراق والمنطقة العربية.

عمل في عدد كبير من الصحف والمجلات العراقية التي شكلت علامات بارزة في تاريخ الإعلام العراقي، منها «الحرية» و«الأنباء» و«كل شيء» و«العهد الجديد» و«الأيام» و«الطليعة» و«البلد» و«الملعب» و«الملاعب» و«الجمهورية» و«الثورة» وغيرها من الصحف التي كانت تمثل مدارس مهنية متكاملة في التحرير والإخراج والعمل الصحفي.

وخلال تلك السنوات لم يكن مجرد محرر أو مراسل رياضي، بل كان صحفياً شاملاً يمتلك ثقافة واسعة وخبرة مهنية متراكمة وقدرة استثنائية على بناء العلاقات الإنسانية والمهنية. ولهذا سرعان ما أصبح واحداً من الوجوه المعروفة في الوسط الصحفي العراقي، يحظى باحترام زملائه وتقدير رؤسائه وقرائه على حد سواء.

وكانت علاقته بنقابة الصحفيين العراقيين واحدة من أبرز محطات حياته المهنية. فقد حملت هويته النقابية الرقم (14)، وهو رقم يكشف مكانته بين الرعيل الأول للصحفيين العراقيين الذين أسهموا في بناء المؤسسة النقابية وترسيخ تقاليدها المهنية. وشغل منصب أمين سر نقابة الصحفيين العراقيين أكثر من مرة، وأسهم في تطوير أنشطتها وفعالياتها، وكان حاضراً في معظم المبادرات التي هدفت إلى تعزيز مكانة الصحفي العراقي والدفاع عن حقوقه المهنية.

غير أن الإنجاز الأكبر الذي ارتبط باسمه تمثل في دوره الريادي في تأسيس الصحافة الرياضية العراقية الحديثة. ففي عام 1970 أسس اللجنة الرياضية في نقابة الصحفيين العراقيين، وترأسها بنفسه، لتكون النواة الأولى التي تطورت لاحقاً إلى الاتحاد العراقي للصحافة الرياضية. وقد كان أول رئيس لهذا الكيان الذي أصبح فيما بعد المظلة المهنية للصحفيين الرياضيين العراقيين.

ولم يكتفِ بذلك، بل حمل مشروعه إلى الفضاء العربي الأوسع. ففي عام 1974 كان من بين المؤسسين للرابطة العربية للصحافة الرياضية في القاهرة، وانتخب بعد عام واحد رئيساً لها، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1990. وخلال تلك السنوات تحولت بغداد إلى مركز رئيس للحركة الإعلامية الرياضية العربية، واستضافت مؤتمرات وندوات ودورات متخصصة ساهمت في تطوير الصحافة الرياضية في الوطن العربي.

كما كان أحد مؤسسي الاتحاد الآسيوي للصحافة الرياضية الذي أعلن تأسيسه في بانكوك عام 1978، وشغل فيه منصب نائب الرئيس لسنوات طويلة، فضلاً عن عضويته في المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافة الرياضية، الأمر الذي جعله واحداً من أبرز الوجوه الإعلامية الرياضية على المستوى الدولي.

ولأن الرياضة كانت بالنسبة إليه رسالة قبل أن تكون مهنة، فقد حرص على أن يكون حاضراً في أهم الأحداث الرياضية العالمية والعربية. رافق الوفود الرياضية العراقية إلى عشرات البطولات والمحافل الدولية، وغطى أبرز الأحداث الرياضية في العالم، فحضر كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا الغربية عام 1974، ثم في إسبانيا عام 1982، كما واكب الدورات الأولمبية في مونتريال عام 1976 وموسكو عام 1980 ولوس أنجلوس عام 1984 وسيؤول عام 1988، فضلاً عن حضوره المتواصل للدورات العربية والبطولات الآسيوية وكؤوس الخليج.

ومن خلال تقاريره وتحليلاته وكتاباته أصبحت الصحافة الرياضية العراقية أكثر قرباً من الأحداث العالمية، وأصبح القارئ العراقي يتابع عبر مقالاته وتغطياته نبض الملاعب العالمية والعربية بلغة مهنية رصينة تجمع بين الدقة والخبرة والمعرفة.

إلا أن حياة ضياء حسن لم تكن مجرد رحلة مهنية هادئة، بل تداخلت فيها السياسة مع الصحافة، والنضال مع العمل الإعلامي. فقد انخرط مبكراً في النشاط السياسي خلال خمسينيات القرن الماضي، وعاش تقلبات الحياة السياسية العراقية بكل ما حملته من صراعات وتحولات. وتعرض للاعتقال والملاحقة في أكثر من مرحلة، كما شملت بعض الإجراءات الحكومية أمواله وممتلكاته بسبب مواقفه السياسية، لكنه ظل متمسكاً بقناعاته وبمهنته التي وجد فيها فضاءً للتعبير وخدمة المجتمع.

وعلى الرغم من تلك الظروف الصعبة، بقي اسمه مرتبطاً بالنزاهة والاستقامة المهنية. كان بعيداً عن الصراعات الصغيرة، قريباً من الجميع، يفتح أبوابه للصحفيين الشباب، ويمنحهم من خبرته ما يساعدهم على شق طريقهم في عالم الصحافة. ولذلك ينظر إليه كثيرون بوصفه معلماً حقيقياً تخرجت على يديه أجيال من الإعلاميين والصحفيين الرياضيين.

وكانت إنسانيته لا تقل حضوراً عن مهنيته. فقد عرفه زملاؤه رجلاً متواضعاً، دمث الأخلاق، واسع الثقافة، سريع المبادرة إلى مساعدة الآخرين. ولم يكن يتعامل مع الصحافة بوصفها وظيفة، بل باعتبارها رسالة أخلاقية ووطنية تستوجب الالتزام والانحياز إلى الحقيقة.

لكن السنوات الأخيرة من حياته حملت له جراحاً ثقيلة. فبعد أحداث عام 2003 عاش العراق مرحلة عصيبة انعكست على حياة العراقيين جميعاً، وكان نصيبه منها فاجعة مؤلمة حين فقد نجله علي وابنته هدى في حادث إرهابي مأساوي. وقد تركت هذه المأساة أثراً عميقاً في نفسه، وأثقلت قلبه الذي لم يكن قد تعافى من سنوات التعب الطويلة.

أمام تلك الظروف اضطر إلى مغادرة العراق متجهاً إلى السويد، حيث أقام سنواته الأخيرة. غير أن الغربة لم تستطع أن تنتزع العراق من وجدانه. فقد ظل يتابع أخبار الوطن والصحافة والرياضة بشغف المحب والوفي، وظل على تواصل دائم مع أصدقائه وزملائه داخل العراق وخارجه، يسأل عن أحوالهم ويستذكر معهم أيام العمل الجميلة في الصحف والنقابة والمؤتمرات والبطولات.

وكان أصدقاؤه يؤكدون دائماً أن أحاديثه في سنواته الأخيرة لم تكن تخرج عن موضوعين أساسيين: العراق والصحافة. فقد ظل مؤمناً بأن الوطن يستحق الحب مهما اشتدت المحن، وأن الصحافة تبقى رسالة نبيلة مهما تبدلت الأزمنة.

لهذا فإن ذكرى ضياء حسن ليست ذكرى رجل مات في الغربة، وإنما ذكرى زمن كامل مات بعضه معه؛ زمن الصحفي الذي يعرف الخبر ويعرف الناس، ويعرف أن الصحافة ليست شهرة ولا منصباً، وإنما عمر يُدفع ثمناً للكلمة.

مقالات ذات صلة