رأي

كاظم الساهر…حين يُختزَل الفنان الكبير في ثمن تذكرة

    والأهم من ذلك أن بعض الاستدلالات التاريخية التي بُني عليها المقال تحتاج إلى مراجعة؛ لأن التاريخ حين يدخل في معركة الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى شاهد زور. وأنا هنا لا أريد الدفاع عن كاظم الساهر بوصفه فنانًا محبوبًا فقط، وإنما أريد الدفاع عن قاعدة أوسع: أن نختلف مع الفنان دون أن نهين تجربته، وأن ننتقد الحفل دون أن نحاكم جمهوره، وأن نسأل الدولة عن المال والأولويات دون أن نطلب من المواطن أن يدفع ثمن فقر المجتمع من فرحه الشخصي.

من حق عبد الهادي أن يسأل: هل كان توقيت الحفل مناسبًا؟ وهل كانت تكلفته مبررة؟ وهل هناك أولويات اقتصادية واجتماعية أكثر إلحاحًا؟ هذه أسئلة مشروعة، بل ضرورية في أي مجتمع يعاني من أزمات اقتصادية أو تفاوت اجتماعي.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من سؤال (من دفع؟ وكم دفع؟ ولماذا؟)إلى سؤال (كيف يجرؤ المواطن على أن يفرح وهناك فقير؟). هنا يتغير نوع النقاش.

فإذا كانت هناك معلومات عن دفع مبلغ ضخم للفنان، فالمطلوب هو الوثيقة: من دفع؟ ومن تعاقد؟ وهل المال حكومي أم خاص؟ وما العوائد والضرائب والرسوم؟ وما الأثر الاقتصادي للحفل على الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق؟ أما تحويل رقم غير موثق إلى إدانة أخلاقية لآلاف الذين اشتروا تذاكر، فهو لا يصنع رقابة ولا اقتصادًا سياسيًا؛ إنه يصنع محكمة أخلاقية للفرح.

    وقد أشارت التغطيات التي تناولت الحفل إلى أنه فعالية جماهيرية تجارية، مع أسعار تذاكر مرتفعة وحضور جماهيري كبير؛ ولذلك فإن التمييز بين المال العام والإنفاق الخاص ضرورة قبل إصدار الأحكام.

هل الفقر يمنع الفرح؟

هذه واحدة من أكثر النقاط التي تستحق التوقف. لو قلنا إن الإنسان لا يحق له أن ينفق على الفن لأن هناك فقيرًا، فإننا سنصل إلى نتيجة عبثية: لماذا تناولت العشاء وهناك أسرة لا تجد العشاء؟ لماذا اشتريت كتابًا وهناك طالب لا يملك ثمن الكتاب؟ لماذا ذهبت إلى السينما وهناك مريض يحتاج إلى العلاج؟ لماذا حجزت فندقًا وهناك إنسان ينام في غرفة باردة؟

وهكذا يتحول الفقر من قضية اجتماعية تحتاج إلى سياسات اقتصادية وعدالة اجتماعية وحماية للفئات الضعيفة إلى سوط أخلاقي يضرب به المجتمع نفسه. المجتمع لا يعيش بالخبز وحده، لكنه أيضًا لا يعيش بالغناء وحده. يحتاج إلى المدرسة والمستشفى والمصنع، لكنه يحتاج كذلك إلى المسرح والكتاب والموسيقى والضحكة.

الفقر لا يُعالج بمنع الفرح، وإنما بإصلاح أسباب الفقر. وهذه مسؤولية الدولة والسياسات العامة، لا مسؤولية امرأة اشترت تذكرة لحضور حفلة.

كاظم الساهر ليس ضابطًا حتى نحاكمه بتاريخ الضباط

هنا أجد أن المقال ابتعد كثيرًا عن موضوعه الأصلي. استدعاء أسماء الضباط والحروب والفاو والجيش العراقي والحرب العراقية الإيرانية إلى جانب كاظم الساهر يجعل القارئ أمام سؤال بسيط: ما علاقة الفنان بكل ذلك؟

كاظم لم يكن قائد فيلق، ولم يدّعِ أنه حرر الفاو، ولم يقدم نفسه بوصفه صاحب إنجاز عسكري حتى نحاسبه على تاريخ المؤسسة العسكرية.

الفن له طريق آخر. هناك من يدافع عن وطنه بالسلاح، وهناك من يدافع عنه بالكلمة، وهناك من يحفظ ذاكرته بالشعر، وهناك من ينقل صورته إلى العالم من خلال الفن. وليس مطلوبًا من كل عراقي أن يحمل البندقية بالطريقة نفسها حتى يكون عراقيًا.

كاظم اختار أن يحمل العراق في الصوت والقصيدة واللحن. وهذه ليست بطولة عسكرية، لكنها ليست شيئًا تافهًا أيضًا.

كاظم الساهر ومشروع القصيدة

المشكلة في اختزال كاظم الساهر في حفلة واحدة أننا ننسى مسيرته الطويلة. لقد تمكن من جعل القصيدة الفصيحة تصل إلى جمهور عربي واسع، واشتغل على نصوص شعرية لنزار قباني وغيره، في زمن لم تكن فيه القصيدة الفصيحة مضمونة النجاح التجاري في الأغنية الجماهيرية.

وهنا يمكن أن نختلف على الموسيقى، وعلى اختياراته، وعلى مستوى بعض أعماله، وعلى ظاهرة النجومية كلها، لكن يصعب إنكار أن الرجل أسهم في إبقاء الفصحى حاضرة في فضاء الغناء الجماهيري.وهذا في حد ذاته قيمة ثقافية. فحين يغني ملايين العرب قصيدة فصيحة لأن مطربًا مشهورًا اختار أن يلحنها ويغنيها، فإننا أمام ظاهرة ثقافية تتجاوز حدود الحفل وثمن التذكرة.

لا تجعلوا ديكنز محاميًا ضد الشعب

ومن المواضع التي تستحق التصحيح أيضًا الاستناد إلى رواية تشارلز ديكنز (قصة مدينتين)باعتبارها إدانة مباشرة للشعب والثورة الفرنسية، وكأن ديكنز يقول إن بائع البطاطا حين يصبح قاضيًا يتحول بالضرورة إلى جلاد. هذه قراءة تختزل عملًا أدبيًا وتاريخيًا شديد التعقيد.

ديكنز كتب الرواية في سياق الثورة الفرنسية وما سبقها من ظلم اجتماعي وصراع طبقي، وما أعقبها من عنف وانتقام، وتأثر في بنائها بكتاب توماس كارلايل عن الثورة الفرنسية. ولذلك فإن الرواية لا تصلح ببساطة لتقديم الشعب بوصفه مذنبًا، ولا الثورة بوصفها مجرد انقلاب أخلاقي للفقراء على الأغنياء.

وهنا الدرس الأهم: الثورات لا تُفسر بأن الشعب شرير، كما أن الحروب لا تُفسر بأن الجنود ملائكة أو شياطين. التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك. وحين نستدعي الأدب في النقاش السياسي، علينا أن نحترم الأدب أولًا.

أكثر ما استوقفني في المقال الحديث عن (السيادة على الوجدان).

الدولة الحديثة تملك السيادة على حدودها وقوانينها ومؤسساتها، لكنها لا ينبغي أن تملك وجدان المواطن. لا تستطيع الدولة أن تقول للمواطن: هذا الكتاب مسموح أن تقرأه، وهذه الأغنية ممنوع أن تسمعها، وهذه الفرحة وطنية، وتلك الفرحة مشبوهة.

الوطنية ليست عدد ساعات الصمت.

والوطنية ليست أن نثبت حبنا للوطن بالحزن المستمر.

وقد يذهب شخص إلى حفلة كاظم الساهر وهو يحب الأردن أكثر ممن بقي في منزله، وقد يبقى آخر في منزله وهو أكثر وطنية ممن ذهب إلى الحفل.

الوطنية ليست تذكرة حفلة ولا مقعدًا في ملعب ولا عدد الأغاني الوطنية التي نسمعها. الوطنية موقف وسلوك ومسؤولية.

لا نحاكم الفنان بمظهره

وأعتقد أن المقال يضعف عندما يدخل في تفاصيل العمر والمظهر والعمليات والتجميل والملابس وما شابه.

هذه ليست قضايا نقد فني. يمكن أن نناقش صوت كاظم، اختياراته الموسيقية، علاقته بالشعر، تأثيره في الأغنية العربية، حضوره الثقافي، وحتى موقعه في صناعة الموسيقى العربية.

أما مظهره الشخصي، فذلك شأنه. الفنان لا يُقاس بوجهه، وإنما بما تركه في الفن .وإذا أصبح النقد الفني محكمة تجميل، فقد خرجنا من النقد ودخلنا في منطقة أخرى لا علاقة لها بالإبداع.

العراقي الذي يصل إلى العرب بالأغنية.

وهنا أصل إلى النقطة التي تعنيني أكثر. كاظم الساهر خرج من العراق في مرحلة كان اسم العراق فيها مثقلًا بالحروب والحصار والسياسة والدم. وكان يمكن للعالم العربي أن يعرف العراق من خلال الأخبار فقط: الحرب، الصواريخ، الحصار، الجنود، الضحايا.

لكن هناك عراقًا آخر وصل إليهم من خلال كاظم: عراق الشعر، وعراق اللغة، وعراق العاطفة، وعراق الموسيقى. لم يكن يحمل دبابة، ولم يكن مطلوبًا منه ذلك. كان يحمل قصيدة. وهذه أيضًا صورة من صور الوطن.

أنا لا أطلب من عبد الهادي أن يحب كاظم الساهر. ولا أطلب منه أن يوافق على الحفل. ولا حتى أن يعتقد أن الحفل كان في توقيت مناسب. بل أتفق معه في أن أولويات الدولة قابلة للنقاش، وأن المال العام يجب أن يخضع للمساءلة، وأن الفقر لا يجوز تجاهله.

لكنني أختلف معه عندما يتحول النقد إلى إدانة لجمهور الحفل، أو إلى تحميل الفنان مسؤولية حروب لم يخضها، أو إلى تحويل الفرح إلى تهمة. إذا أردنا محاسبة الدولة، فلنحاسبها بالأرقام. وإذا أردنا محاسبة المسؤول، فلنطالبه بالوثيقة. وإذا أردنا الدفاع عن الفقير، فلنطالب له بالتعليم والعمل والضمان الاجتماعي والصحة والسكن.

وإذا أردنا نقد كاظم، فلننقده فنيًا.

أما أن نمنع المواطن من الفرح بحجة وجود الفقر، فهذه ليست عدالة اجتماعية؛ إنها صناعة للذنب.

دعوا كاظم يغني… وحاسبوا من جلبوه

في النهاية، لا أعتقد أن المعركة الحقيقية هي مع كاظم الساهر. المعركة الحقيقية هي مع الخلط. الخلط بين الفنان والجنرال، وبين التذكرة والمال العام، وبين الفقر والحزن، وبين الوطنية والصمت، وبين نقد الدولة ومحاكمة المواطن.

كاظم الساهر لم يذهب إلى عمّان قائدًا لفيلق، ولم يدخلها بدبابة، ولم يطلب من الأردنيين أن يخلعوا ذهبهم، ولم يقرر ميزانية الدولة، ولم يضع سياسة اقتصادية.

لقد جاء ليغني. فدعوه يغني.

وإذا كان هناك نصف مليون دولار دُفعت له فعلًا، فهاتوا الوثيقة واسألوا: من دفعها؟ ولماذا؟

وإذا كان هناك فساد، فحاسبوا الفاسد.

وإذا كان هناك فقر، فحاصروا الفقر بالسياسات لا بالفرح.

وإذا كانت هناك مشكلة في أولويات الدولة، فناقشوا الدولة لا المواطن الذي اشترى تذكرة من ماله.

أما أن نقول للإنسان: لا تضحك لأن هناك فقيرًا، ولا تسمع أغنية لأن هناك عاطلًا، ولا تذهب إلى حفلة لأن هناك مريضًا، فسنصل إلى وطن لا يملك فيه المواطن إلا حقًا واحدًا: أن يشعر بالذنب. وأنا لا أريد وطنًا كهذا.

أريد وطنًا يستطيع أن يطعم فقراءه، ويعالج مرضاه، ويعلم أبناءه، ويحاسب مسؤوليه، وفي الوقت نفسه يسمح لمواطنيه أن يغنوا ويضحكوا ويرقصوا. فالوطن القوي لا يخاف من أغنية.

والعراق الذي عجزت الحروب عن إسكات صوته، لا ينبغي أن نحاول نحن إسكات صوته بحجة الوطنية. وقد يكون أجمل ما فعله كاظم الساهر في هذه الحكاية، أنه جعل العراق يصل إلى العرب هذه المرة لا بالدبابة، ولا بالجنرال، ولا بصوت المدفع… بل بصوت عراقي يحمل قصيدة.

مقالات ذات صلة