(الخُبْزَة) في اللهجة البغدادية المعاصرة..




إنَّ تدوين مفردات اللهجة البغدادية المعاصرة في الحياة اليومية للبغداديين يعين على دراسة المجتمع البغدادي، وفهم التأثيرات المارة به على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية بشكل تام، وتنبغي المسارعة في هذا التدوين قبل أن تأخذ تلك المفردات طريقها نحو الاندثار، أو تتغير دلالاتها الاجتماعية نحو مدلولات أخرى لتعمق الفجوات الفكرية والثقافية بين الأجيال البغدادية المتعاقبة على مر العصور.
وهذا المشروع ينوء بحمله باحث أو باحثون، أو حتى مؤسسة كاملة من الباحثين الذين يفرض عليهم واقع بغداد هذه المهمة الثقيلة بما يحمله من شهادات وحوادث ومواقف ومستجدات تنسجم مع حيوية المدينة، وعمقها الثقافي والحضاري.
حديثي اليوم عن (الخُبْزَة) في اللهجة البغدادية المعاصرة، وهي بذرة أخرى أسعى لغرسها في بنيان ما أتمنى أن يظهر للوجود ذات يوم في معجم فاخر وثري عنوانه (اللهجة البغدادية العامية المعاصرة)، الذي يتم تحديثه من قبل خبراء عقب كل خمس سنوات فيحفظ لهذه المدينة إرثها ورونقها وعطرها الأخّاذ.
فالخبزة، مفردة شهيرة من مفردات المجتمع البغدادي، ولها تأثير كبير في موروثه الشعبي، فهي رمز للنعمة، وقد بالغ “أهل الأوّل” في اكرامها، والإنكار بشدة على من أهانها، فتراهم يهرعون إليها حينما يرون الفتات على الأرض، فيلتقطونها من هناك، ويقبلونها ويضعونها على جباههم،ثم يرفعونها على أقرب مكان مرتفع.
يرتبط الخبز بالتنور، وتسمى الخبزة محلياً: خبزة، خبيزة، وگرصة، ورغيف، والقطعة منها: وصلة، نتفة، والصغيرة منها: حنية، أو حنينينة وقد كنا نتجمع على التنور للحصول عليها من جداتنا رحمهن الله، وبقي الخبز الأول على الساحة البغدادية يليه الصمون الحجري إلى بداية الثمانينيات حيث ظهر صمون (اللوف) -أي الكهربائي الذي كان يباع في الأكشاك الخشبية ببغداد، أسوة بالعِيش اللبناني، ثم ظهرت أنواع أخرى كصمون الحليب والبطاطا والبرغر والتوست والشيا!، اضافة لخبز الرگاگ والصاج والنخالة.

ولكل تنور بيتي مخدة تفرش عليها عجينة الخبز، و”نجانة” صغيرة ملآنة بالماء لمنع التصاق العجين بالأيدي أو المخدة، وقطعة قماش لمسح جدار التنور من بقايا العجين المحترق، وماشة تلتقط الخبز بعد النضوج بالنار، ويسمى حطب التنور “اشْجار”، أما الأداة التي يتم بها تحريك الجمر فهي المنباش، وهناك “نجانة” العجين أو الـ”شُنَك”، ويتم تقطيعها لتسمى الواحدة منها “شُنْكَه”التي تتحول الى خبزة بعد نضجها في التنور.
بشكل عام، تستعمل “الخبزة” في اللهجة العامية البغدادية المعاصرة تارة في سياق الذم، أو المدح، أو السخرية، أو التأسف، أو التنبيه.
فيقال لذم الأطفال المشاغبين: أهلكم ما عرفوا يربوكم؟، بس عرفوا ينطوكم خبزة، ويشمروكم بالشارع!.
وتقال لمن يطلب فوق حقه، أو لأمر يفوق طاقته: دروح بابه، أنت ما شبعان خبز!
وتقال تأسفاً وشعوراً بالمرارة وقلة الحظ- وربما حسداً- لكن من اغتنى فجأة، وصار من أصحاب الأملاك: شوف فلان وين صار، جانت گرصة الخبز حسرة عليه ؟
ويقال للشعور بالغبن وعدم المساواة: اشمعنه يعاملنه بهالطريقة، قابل إحنه ولد الخبازة؟
ويقال للكسول الذي يحب الحصول على كل شئ براحة: أنت تريدها مثل خبز باب الآغا، حار ومكسب ورخيص.
ويوصف من يسعى في رزق عياله بأنه: أبو خبزة.
ويقال لوصف معرفة الآخرين التامة بك: إحجي لا تضم عليا، مو آني عاجنك وخابزك بيديّه.
ويقال لوصف ما في الناس من تعب ومشقة: الله يساعدهم مخبوزين خَبِز
ويقال لمن ترجو منه اتقان عمله: حلل خبزتك.
ويقال لكل ما يجلب الرزق من عمل أو أملاك مثل الدار المؤجرة والدكان والسيارة : بيها خوش خبزة.
وهذه مفردة يحبها الكثيرون لا سيما أهل معارض بيع وشراء السيارات حيث يضعون قطعة خبز في مكان ما من السيارة، ثم يضع البائع يده على السيارة ويحلف للمشتري أن فيها خبزة!، فيشتريها المسكين ليلعن بعدها حظه العاثر في مثل هذه الخبزة المتعبة!.
والخبز من علامات المنافسة بين المرأة العوبة والمعدلة، حيث تتقنه المعدلة، بينما تخاف العوبة من لمس الماشة!
وللتاريخ، ففي أيام الحصار في التسعينيات تحولت معظم الأمهات الى خبازات، ورأينا من طحين الحصة العجب العجاب.

شي مخلوط بنشارة خشب، وشي مخلوط بالجص، وشي مع لحم مثروم لكن من لحم الفئران لا الخرفان، وقد أكلنا جميع هذه الأصناف على مدار 13 سنة، لكن النوع المفضل كان المخلوط بالجص لأنه صحي، وقادر على “ملج” أي “ثقب” بالمعدة!
المهم!، ويقال لناكر المعروف: مع الاسف ماغزر بيك الخبز والملح !.
وحدثنا “أهل الأوّل” أن للخبز احتراماً كبيراً حتى عند الحرامية، فقد كان البغداديون يضعون خبزاً وملحاً بعد عتبة الدار داخل البيت، وهذا كفيل برجوع أي حرامي عن سرقة الدار احتراما للخبز والملح !!
ويقال لمن ينجز الاعمال بسرعة مقرونة بقلة كفاءة وجودة أنه: خبزها. وللعمل غير الجيد أنه : مخبوز.
وتقال تحذيرا لأحدهم من فقدان وظيفة أو مصلحة أو منفعة: داري خبزتك لا اطير.
ولا يقتصر استعمال الخبزة مع الحي وإنما للميت منها نصيب، فيقال لمن مات: “خلصت خبزته”، ولمن نجا من موت أو حادث: “بعده ما خلصانه خبزته“.
ومن الامثال الشعبية البغدادية يقولون:
– اليثرد يدري، والياكل مايدري كم خبزة أكَلْ!: ويعنون به ذم الآخرين على عدم تقدير عواقب الأمور.
– انطي الخبز لخبازه: ويعنون به أهمية اسناد الفعل للخبير وإن خانك وترك الأمين غير الخبير لأن الخسارة أكبر.
– كلمن يحود النار لگرصته: للأنانية والأنانيين.
– وگرصة خبز لا تكسرين: للتعبير عن كره العمة للكنة، ومكر الكنة في التخلص من ظلم العمة!
واليوم… بعد تجاوزي الخمسين، لا أزال مخبوزاً مع غيري في فرن الحياة، وأعلم أن ما بقي من خبزتي لا يعادل ما اكلتَهُ منها، ومع هذا أتفاءل:

– بمجتمع يضم كثرة من الذين يبحثون عن عمل فيه خبزة كريمة وليس بمجتمع يضع خبزة في سيارة لتباع.
– بمجتمع يداري خبزته بالمعروف والحق لا الحيلة والباطل.
– بشعب يرتاح ولو لموسم واحد، وليس بشعب مخبوز ليل نهار في تنور المعيشة حتى التفحم.
– بحرامية “كرام” يرتدعون من التذكير بالخبز والملح ولا ينهبون الأخضر واليابس بغير وجع قلب.
– بشعب يعرف كيف يعطي الخبز لخبازه، وقادة مخلصين يخبزون لهم بكرامة.
– بشباب يبني الوطن بشرف ولا يخبز البناء ليتهدم الوطن على الجميع
وسوف أتفاءل وأبقى أتفاءل وأتفاءل ولا يتطرق اليأس الى قلبي، لكني سأقف لأسأل:
هل تفاؤلاتي في محلها، أم سيظهر من يقول لي: دروح لا “أخبزك” بالكاع؟!.
أودعناكم أغاتي..





