أدب

الوطن بوصفه أثرًا”..قراءات في قصائد حميد سعيد: “اللوحة الأخيرة” (5)

وهذه النقطة تفتح القصيدة على ما هو أبعد من الفن. فالفنان لا يرسم عالمًا مكتملًا، وإنما يمنح الأشياء فرصة لأن تظهر. اللوحة ليست مرآة لما هو موجود، بل احتمال لما يمكن أن يكون. ولذلك يصبح اغتيال الفنان، في المستوى العميق للنص، اعتداءً على فعل التكوين نفسه؛ على الصورة التي لم تولد بعد، وعلى المعنى الذي لم يكتمل.

لهذا يبدو البياض المحيط باللوحة مهمًا منذ البداية. فالبياض ليس فراغًا محايدًا، وإنما فضاء الاحتمال. إنه المكان الذي يمكن أن تظهر فيه الأشياء قبل أن تستقر في شكلها. وحين يقول الشاعر: “ومحيطُ اللوحة أبيضُ”، فإنه لا يصف لونًا فحسب، بل يضعنا أمام مساحة لم يبدأ العالم بالتشكّل فيها بعد، مساحة مفتوحة على احتمالات الصورة.

في هذا العالم المتشكّل بين الظهور والغياب تظهر ليلى حاملة تمائمها الحجرية، تلك التي وجدتْها في “صندوق هنديّ مخبوءٍ في إحدى غرف الدار”. ليست التمائم زينة أسطورية عابرة؛ إنها تمنح الفنانة وظيفة تتجاوز الرسم. فالشيخ يقول لها إن تمائمها “تكشفُ للريشةِ ما أغلقَ من حُجُبِ الأسرار”. الريشة هنا لا تنقل المرئي، وإنما تكشف المحجوب. والفن، بهذا المعنى، فعل معرفة بقدر ما هو فعل جمال.

    لكن المفارقة القاسية أن من تحمل ما يفترض أن “يدفع عنها الأخطار” لن تنجو من الخطر.

    في تلك الليلة تدخل ليلى مرسمها، وتبدأ في “تصيّد” الأقمار والسحاب والفراشات من “كنوز أصابعها”. إن الصورة هنا شديدة الدلالة: الأشياء ليست أمام الفنانة، وإنما كامنة فيها. أصابعها هي مخزن العالم، والرسم عملية استخراج لما يختبئ في الجسد من صور.

ثم يحدث الانقلاب:

“لكنَّ الألوانْ

اعتكفت في حقِّ الكُحلِ..

ونامت في بردِ النسيان”.

الألوان لا تنقص، ولا تعجز عنها اليد؛ إنها تعتزل. كأن العالم نفسه بدأ يسحب ألوانه قبل أن تقع الكارثة. وكأن اللوحة تستشعر أن شيئًا ما يقترب منها.

عند هذه النقطة يدخل بيل كلينتون إلى اللوحة، لا بوصفه شخصية سياسية فحسب، وإنما بوصفه صورة مشوهة للسلطة: “وجهٌ شمعيٌ وعيون من خرزٍ.. / وأظافر من خشب مشدودٌ بخيوط نحاس”. لقد فقد الإنسان ملامحه الإنسانية وصار دمية مصنوعة من مواد جامدة. أما الرمح الذي يحمله فقد جاء من متحف إيزابيلا القشتالية، أي أنه يأتي من التاريخ محمّلًا بذاكرة الغزو والقوة.

هنا تستدعي القصيدة الماضي كي تكشف استمراره في الحاضر. الرمح الذي يفترض أن يكون خلف زجاج المتحف يعود إلى اللوحة، وتعود معه فكرة القوة التي لا تتغير كثيرًا وإن تغيرت أدواتها وأسماؤها.

ثم يطعن الرمح “رمانة لوحتها”.

ولعل الرمانة هنا ليست ثمرة وحسب. إنها صورة للخصوبة والحياة والامتلاء، وربما صورة مصغرة للمرأة ذاتها. لذلك لا يكون طعنها مجرد اعتداء على تفصيل في اللوحة، بل طعنًا لفكرة الحياة التي كانت اللوحة تتجه إليها.

“فيسيلُ دمٌ محترقٌ..

وتفورُ أنابيبُ الزيتْ

تتهاوى جدران البيتْ”.

في لحظة واحدة يتحول المرسم إلى ساحة حرب. الزيت الذي يصنع الصورة يفور، والبيت الذي يحميها ينهار، والدم الذي كان يمكن أن يكون علامة حياة يتحول إلى دم محترق. كأن القوة لا تريد قتل الفنانة فقط؛ إنها تريد تحويل العالم الذي تصنعه إلى خراب.

وهنا تصبح كلمة “يحتل” من أكثر كلمات القصيدة دلالة:

“يحتلُ مساحات الأبيض.. جمرٌ شرسٌ

وعواصفُ سودٌ..

ورمادْ”.

الأبيض، الذي كان قبل قليل فضاءً للتكوين، صار أرضًا محتلة. والجمر صار قوة غازية. إن القصيدة تنقل مفردات الحرب إلى داخل اللوحة، حتى لا يعود من الممكن الفصل بين الجمالي والسياسي. فاللوحة لم تعد مكانًا محايدًا بعيدًا عن التاريخ؛ لقد دخل التاريخ إليها بالنار.

ومع ذلك لا تمنح القصيدة النار انتصارها الكامل.

“لكن الشجرَ الهاربَ من أسرِ اللون..

يعودُ إلى الأرضِ..

ويُزهرُ..

في طرقاتِ الليل”.

هذه الـ”لكن” هي المفصل الخفي في النص. فالحياة لا تعود إلى اللوحة، وإنما تعود إلى الأرض. الشجر الذي هرب من “أسر اللون” يستعيد جذوره ويزهر في الليل. كأن العالم يقول إن التكوين الذي عجزت النار عن منعه لا يشترط أن يستمر في المكان نفسه.

لقد احترقت اللوحة، لكن الحياة لم تحترق معها.

ومن هنا تتحول القصيدة من رثاء لفنانة إلى سؤال عن قدرة الموت على إيقاف التكوين. هل يستطيع القاتل أن ينهي ما بدأته يد الفنان؟ أم أنه لا يستطيع إلا أن يغير المكان الذي سيستمر فيه ذلك العمل؟

لهذا تأتي الأسئلة اللاحقة كأنها محاكمة للكون الذي سمح للقتل أن يحدث:

“أطلقَ قاتلُها شمسًا سوداءْ

من أي سماءْ

جاءَ المطرُ الحمّى..

من أيّ الأثداءْ

رضعَ الفولاذ المتوحشُ..

في أيّ كتابْ

قرأ الديناصورُ تعاليم القتل”.

إنها أسئلة لا تبحث عن معلومة، وإنما تكشف انقلاب العالم على قوانينه. الشمس أصبحت سوداء، والمطر صار حمى، والفولاذ صار كائنًا يرضع، والديناصور صار قارئًا يتعلم.

والأشد قسوة أن الديناصور لم يولد عارفًا بالقتل؛ لقد “تعلّم” القتل.

هنا تضع القصيدة إصبعها على جرح أعمق: الوحشية ليست دائمًا غريزة، بل يمكن أن تكون معرفة مكتسبة، وثقافة، وتعليمًا، وتاريخًا تتوارثه القوة. ولذلك لا يتوقف الخراب عند قتل الإنسان، بل يبلغ الطبيعة نفسها:

“تعلَّم…

أن ينصبَ مشنقةً للأنهار”.

إنها صورة تتجاوز الحرب إلى محاولة إيقاف الحياة في منابعها. النهر هو الجريان، والزمن، والذاكرة، والاستمرار؛ وحين تُنصب له مشنقة، يصبح القتل رغبة في إيقاف كل ما يتحرك.

لكن القصيدة، في مواجهة هذا الخراب، تستدعي تاريخ الفن.

“لنساء أفينيون حصاد الريح

ولبيكاسو الآتي من جورنيكا…

حكمتُهُ…

لجواد سليم.. قيثارتُهُ وثمار الصيفْ”.

لا تأتي “نساء أفينيون” و”جورنيكا” هنا بوصفهما أسماء ثقافية لتزيين النص. إنهما تدخلان في صلب السؤال: ماذا يفعل الفن حين يواجه العنف؟

جورنيكا تحديدًا تحمل ذاكرة المجزرة التي لم تنتهِ بانتهاء المذبحة، لأنها تحولت إلى صورة. والفن هنا لا يمنع الكارثة، لكنه يمنعها من أن تختفي في العدم. ما يحدث مرة في التاريخ يمكن أن يظل حيًا قرونًا حين يتحول إلى فن.

ومن هنا يصبح حضور جواد سليم عودةً إلى الذاكرة العراقية. فالقصيدة تصل ليلى بتاريخ الفن، وتضعها في سلسلة لا تنتهي عند حدود بغداد. كأن موتها لا يُقرأ بوصفه حادثة منفردة، وإنما بوصفه حلقة أخرى في تاريخ الفنان الذي يقف أمام عالم العنف ويحاول أن يمنحه صورة مختلفة.

ثم تضيق المسافة من الفن إلى المكان:

“ولشارع حيفا.. وقعُ خُطاها”.

لا يقول الشاعر إن الشارع يحتفظ بوجهها، بل يحتفظ بخطواتها. وهذه واحدة من أكثر صور القصيدة رهافة. فالوجه يمكن أن يُمحى، والصورة يمكن أن تحترق، والبيت يمكن أن ينهدم، لكن الأثر يتحول إلى ذاكرة المكان.

لم تعد ليلى جسدًا.

صارت خطوات.

وصار المكان نفسه حاملًا لغيابها.

ومن هنا تصل القصيدة إلى نهايتها من غير أن تعيد المرأة إلى الحياة:

“ولنا..

أن نتذكرَّها

ونجيءُ لها..

بسماء صافية.. ودُمى ونجومْ”.

هذه ليست خاتمة رثائية تقليدية. لا يأتي الشاعر إليها بالدموع، بل يأتي إليها بعالم. سماء صافية بدل الشمس السوداء، ونجوم بدل العتمة، ودمى تحمل شيئًا من الطفولة التي لم تستطع الحرب أن تحميها.

والأهم أن الفعل هو “نجيء لها”. هي لا تعود إلينا، وإنما نحن الذين نذهب إليها. فالذاكرة هنا ليست استعادة للماضي، بل حركة باتجاه الغائب.

وفي هذه اللحظة تكتمل الدائرة.

في بداية القصيدة كانت هناك “سيدة لم تتشكل بعد”. وفي نهايتها لا يرسم الشاعر لها وجهًا، ولا يعيد جسدها، بل يمنحها سماء ونجومًا ودمى. أي أنه لا يستعيد صورتها كما كانت، وإنما يعيد بناء العالم الذي كان ينبغي أن تظل فيه.

وهنا تكمن المفارقة التي تمنح القصيدة قوتها: الموت استطاع أن يوقف يد ليلى، لكنه لم يستطع أن يوقف ما كانت يدها تعنيه.

لقد استطاع أن يطعن الرمانة، وأن يحرق الزيت، وأن يهدم البيت، وأن يحتل البياض بالجمر. لكنه لم يستطع أن يمنع الشجر من الإزهار، ولا أن يمحو وقع الخطى من شارع حيفا، ولا أن يمنع ليلى من الدخول في ذاكرة الفن.

إن الفن لا ينتصر على الموت لأنه يعيد الجسد إلى الحياة؛ فهذا انتصار مستحيل. لكنه ينتصر عليه في منطقة أخرى: في منطقة المعنى.

الموت ينهي الوجود، لكنه لا يملك وحده حق تحديد ما يبقى منه.

وهنا يصبح الشعر نقيضًا للمحو لا نقيضًا للموت. فالموت يأخذ الجسد، بينما القصيدة تحفظ أثره، وتعيد تشكيل الغياب في صورة قابلة لأن تُرى مرة أخرى.

لهذا فإن “اللوحة الأخيرة” ليست في حقيقتها لوحة عن نهاية الرسم، وإنما عن انتقال الرسم من اليد إلى الذاكرة. ما لم تستطع ليلى أن تكمله بفرشاتها، تستكمله القصيدة بالكلمات. وما حاول الرمح أن يحوله إلى رماد، تعيد اللغة فتحه بوصفه سؤالًا.

ومن هذه الزاوية يصبح عنوان القصيدة نفسه قابلًا للمفارقة: “اللوحة الأخيرة” قد تكون الأخيرة في حياة ليلى، لكنها ليست الأخيرة في وجود الصورة. فاللوحة التي أُريد لها أن تكون نهاية، تتحول إلى بداية أخرى؛ بداية الذاكرة، وبداية القراءة، وبداية السؤال.

وربما هنا يكمن أعمق ما تقوله القصيدة: ليس الموت هو الذي يقرر متى تنتهي الصورة، وإنما الذاكرة.

فالقاتل يستطيع أن يكتب نهاية الجسد، لكنه لا يستطيع أن يكتب نهاية المعنى.

في اللوحة.. سيدةٌ لم تتشكّل بعدُ..

الأشجارُ الفارِغَةُ.. امتدَّتْ وانتشرتْ

بين الثمر الغائبِ والماء العاري..

وغواية خطّ التكوينْ

ومحيطُ اللوحة أبيضُ.. في ثوب السيدة البنيِّ..

شقوقٌ..

وعلى طرف منه مساحاتٌ بيضْ

ولليلى العطار.. تمائمُ من حجرِ السمّاقْ

وجدتها ذاتَ نهارْ

في صندوق هنديّ مخبوءٍ في إحدى غرف الدارْ

قال لها شيخٌ من أقصى لونِ الفضّةِ

ليلى ..

احتفظي بتمائمكِ الحجريّةِ..

تكشفُ للريشةِ ما أغلقَ من حُجُبِ الأسرارْ

وتدفعُ عنها الأخطارْ

في تلك الليلة.. كانت تسهرُ في مرسمها

تتصيَّدُ من بعض كنوزِ أصابعها

أقماراً وسحاباً وفراشاتْ

لكنَّ الألوانْ

اعتكفت في حقِّ الكُحلِ..

ونامت في بردِ النسيان

أو بعدَ الألفَةِ..

يُعلَنُ في هذا الليل.. الأُلافُ العصيانْ

…………….

…………….

يدخلُ بيل كلينتون

في يده رمحٌ جاء به من متحف إيزابيلا القشتالية

وجهٌ شمعيٌ وعيون من خرزٍ..

وأظافر من خشب مشدودٌ بخيوط نحاسْ

يطعن رمانة لوحتها ..

فيسيلُ دمْ محترقٌ..

وتفورُ أنابيبُ الزيتْ

تتهاوى جدران البيتْ

……………

……………

يحتلُ مساحات الأبيض.. جمرّ شرسٌ

وعواصفُ سودٌ ..

ورمادْ

لكن الشجرَ الهاربَ من أسرِ اللون..

يعودُ إلى الأرضِ..

ويُزهرُ ..

في طرقاتِ الليل

أطلقَ قاتلُها شمساً سوداءْ

من أي سماءْ

جاءَ المطرُ الحمّى ..

من أيّ الأثداءْ

رضعَ الفولاذ المتوحشُ..

في أيّ كتابْ

قرأ الديناصورُ تعاليم القتل

تعلَّمَ…

أن يَنصبَ مشنقةً للأنهار

………..

لنساء أفينيون حصاد الريح

ولبيكاسو الآتي من جورنيكا …

حكمتُهُ …

لجواد سليم.. قيثارتُهُ وثمار الصيفْ

ولشارع حيفا.. وقعُ خُطاها

ولنا ..

أن نتذكرَّها

ونجيءُ لها ..

بسماء صافية.. ودُمى ونجومْ

***

إشراقات: مختارات شعرية، حميد سعيد ص319-322

مقالات ذات صلة