“هاشتاك الناس”..العراق الذي أضعناه…




لم نكن نعرف يومها معنى الدولة العميقة، ولا الدولة العميقة جدًا، ولا الدولة التي تبحث عن نفسها في دفاتر الأحزاب. كنا نعرف وطنًا اسمه العراق، يمتد من زاخو إلى الفاو، ومن دجلة إلى الفرات، ونشعر أن هذه الخريطة الصغيرة المعلقة على جدار الصف أكبر من العالم كله.
كان العراق فقيرًا أحيانًا، لكنه لم يكن فقيرًا إلى الكبرياء. وكانت بغداد، رغم كل ما مرّ بها، تعرف كيف ترفع رأسها.
كبرنا… ويا ليتنا لم نكبر
رأينا وطنًا يتبدل أمام أعيننا. كلما خرجنا من أزمة دخلنا في أخرى، وكلما انتهت حرب بدأت حرب في الرؤوس والقلوب. تغيّرت الشعارات، وتبدلت الوجوه، وبقي المواطن واقفًا في الطابور نفسه.
نسأل: أين العراق؟
فيقال لنا: بخير.
لكن… أين هو؟
في بلد النفط، يبحث المواطن عن الكهرباء. وفي بلد النهرين، يخاف من العطش. وفي بلد الجامعات، يحمل الخريج شهادته كأنها تهمة. وفي بلد الثروات، تصبح الوظيفة بابًا يحتاج إلى مفتاح، والمفتاح يحتاج إلى واسطة.
لقد صار العراق، في بعض مراحله، أكبر من المواطن على الخريطة، وأصغر منه في المعاملة.ولم نعد ننقسم بالجغرافيا وحدها؛ انقسمنا في النفوس أيضًا. هذا يقدّم طائفته، وذاك قوميته، وثالث عشيرته، ورابع حزبه، ثم يأتي العراق متأخرًا ليسأل : وأنا؟ فلا يسمعه أحد.
يا عراق، كم مرة يجب أن نتعبك حتى نتعلم أن الوطن ليس غنيمة؟ ليس ملكًا لحزب أو طائفة أو عشيرة أو زعيم. الوطن هو ذلك الشاب الذي يريد عملًا، والأم التي تريد مدرسة آمنة لابنها، والمريض الذي يريد مستشفى، والأستاذ الذي يريد أن يعلّم بلا واسطة، والمثقف الذي يريد أن يقول الحقيقة من دون أن يحسب ثمنها.
لكننا أصبحنا بارعين في المعارك الصغيرة. نتشاجر على صورة، ونختلف على تصريح، ونلعن هذا ونقدّس ذاك، بينما تتآكل حياتنا بصمت. نغضب من خبر فساد ثم نعتاد. نسمع رقمًا هائلًا فلا نندهش. نرى مشروعًا يتعثر، وشارعًا يُحفر ثم يُردم، ومواطنًا يراجع دائرة حكومية فيكتشف أن معاملته تحتاج إلى معاملة أخرى كي تبدأ.وفي كل مرة يُطلب منه الصبر: اصبروا… العراق بخير.

لسنا ضد الأمل، لكننا تعبنا من الأمل المؤجل.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الذين يتحدثون باسمه؛ يحتاج إلى من يعملون من أجله. لا يحتاج إلى صور ضخمة للزعماء، بل إلى مؤسسات تعمل. لا يحتاج إلى خطب طويلة عن النزاهة، بل إلى قانون يساوي بين القوي والضعيف. ولا يحتاج إلى ثقافة تُستدعى في المناسبات ثم تُترك وحيدة، بل إلى ثقافة تُعامل باعتبارها ذاكرة الوطن وروحه.
ولا يحتاج العراق إلى أن نكرر «العراق أولًا»، بينما يضع كل واحد منا جماعته أولًا، ثم يبحث عن العراق في آخر القائمة.
المشكلة ليست أن العراق فقير. المشكلة أننا جعلنا بلدًا غنيًا يعيش فقيرًا في الإدارة والعدالة والخدمات والفرص.
وليست المأساة أن الوطن مرّ بالحروب؛ المأساة أن بعضنا تعلّم من الحرب كيف يربح، لا كيف يمنع تكرارها.
ومع ذلك، لا أريد أن أكتب مرثية للعراق.
فهذا البلد الذي خرج من الحروب والحصارات والانهيارات لم يفقد روحه. ما زال العراقي يضحك في وجه المصيبة، ويطعم ضيفه وهو يحتاج إلى الطعام، ويغضب من صديقه ثم يعود إليه، ويحوّل «استكان چاي» إلى جلسة مصالحة، ويجد في النكتة منفذًا حين تضيق الدنيا.
هناك، في هذه الروح، ما يزال العراق حيًا.
وإذا أردنا استعادته، فلنبدأ من الإنسان؛ من المدرسة لا المنصة، ومن القانون لا الواسطة، ومن المواطنة لا الطائفة، ومن الكفاءة لا الولاء، ومن العراق… لا من «عراقنا» الصغير. فالعراق أكبر من الجميع. وسيظل كذلك، إذا تركناه أخيرًا يعيش.





