رأي في “العقيدة والمذهب والوطن”..أيُّهما أولاً




وقد أدت هذه الفوضى -من بين الكثير من المشكلات التي أدتها- إلى اختلاط المفاهيم، والمصطلحات، فاختلطت بذلك الرؤى والتصورات، واختلطت معها الولاءات والتوجهات، ومع كل تلك الفوضى الواسعة، ضاقت الرؤى ليصل الأمر بالجميع إلى نقطة واحدة، هل أنت مع هؤلاء أم مع أولئك؟.
وقد انشغلت ساحات التواصل الاجتماعي والاعلامي بموضوع العقيدة أم الوطن؟، أيهما أولى بالتقديم؟ في سؤال وجه إلى الفنانة آلاء حسين من قبل المذيعة منى سامي، وانتشر على نطاق واسع. والحقيقة، أن هذا السؤال هو جزء من المشكلة القائمة في اختلاط المفاهيم والمصطلحات، ولا يمكن لمثل هذا السؤال أن يطرح لو تم فهم المعنى بشكل دقيق، وطرحه بشكل أدق، كيف؟.
في المفهوم الاسلامي تعني العقيدة الإيمان بالله، وفهم الغاية التي من أجلها خلق البشر، وهي العبادة، فما خلق الله الجن والإنس ((إلا ليعبدون))، وهذه النقطة لا يمكن المساومة عليها، لأنها أساس وجود الانسان، ونقطة تحديد مصيره النهائي في ضوء قوة ذلك الإيمان، وما قدمه له من طاعات وقربات وإحسان.
وهناك المذهب، ويعني في المفهوم الاسلامي وجهات النظر التي تم تفسير الدين بها من قبل أئمة كبار، وعلماء أخيار، وقام على نشرها وانتشارها اتباع أبرار، وهذه التفسيرات (ما لم تكن وحياً من عند الله) هي اجتهاد بشري، يؤخذ منه ويُرَد عليه، وقد ازدادات الشروحات على الاجتهادات مع مرور الزمان، حتى تراكمت عندنا ثروة علمية هائلة لا توجد عند غيرنا من الأمم، لو أخذت مسارها الصحيح لعاش الناس بأمان وسلام.
وإذا عرفنا هذه المصطلحات – بأبسط صورة تناسب النشر في جريدة – صار واضحاً الآن الفرق بين العقيدة والمذهب، فلكل منهما معنى، وحكم، وأمكننا حل المشكلة التي دارت في وسائل التواصل والاعلام، والتي أفرزها سؤال: الوطن أم العقيدة، أيهما أولاً؟، فنقول.

أما العقيدة فهي فوق الوطن، وفوق كل شيء آخر، بحكم أنها الغاية الأساسية من خلق الإنسان.
ولو كان الوطن فوق العقيدة، لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة، واستقر بالمدينة المنورة، مع أنه كان يحبها حباً شديداً، «حتى قال: ما أطيبَكِ من بلدٍ وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ»، بل واستقر بالمدينة حتى بعد فتح مكة، ولو كان وطنه مكة فوق العقيدة التي آمن بها ودعا لها لما تركها، ولو خرج منها مكرهاً لعاد إليها.
والعقيدة (الإيمان) في القلب، بين الله والعبد فقط، ليست محلاً للمباراة، ولا المجاهرة والمباهاة، أو التعالي والمعاداة، لا سيما بين أبناء الملة الواحدة، والقبلة الواحدة، والرسول الواحد، والكتاب الواحد.
ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، و((يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)).
وأما المذهب فالوطن فوق المذهب، وإذا راح الوطن راح المذهب، وتهددت العقيدة، وضاع كل شيء، فالله سبحانه يحاسب على الإيمان، والأعمال التي تدل عليه، ولا يحاسب على المذاهب والألقاب، فكلها ظهرت بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي يوم القيامة ((كل نفس بما كسبت رهينة)) ولا ينجو ((إلا من أتى الله بقلب سليم))، لا بمن أخذ بهذا المذهب أو ترك ذاك، وهذا باتفاق جميع المذاهب الاسلامية.
إنّ الفنانة آلاء حسين التي دارت حولها مشكلة الإجابة بوضع العقيدة فوق الوطن، أو أنهما بمنزلة العينين من الرأس -أي متساويان-، قد أصابت في الأولى، وأخطأت في الثانية، فالعقيدة فوق الوطن نعم، لا بمنزلة واحدة، ولا دونه، بل فوقه وفوق كل شيئ آخر، وهذا إن فقهت الفرق بين العقيدة والمذهب، فإن قصدت بالعقيدة المذهب فقد أخطأت، وكل ابن آدم خطاء.





