تحليل سياسي

من المنشآت النووية إلى شرايين الاقتصاد..هل حُسم قرار الحرب في واشنطن وتل أبيب؟

     وكشفت تقارير نشرتها وسائل إعلام دولية أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان استئناف الضربات ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر. واستندت هذه التقارير إلى مسؤولين ومصادر مطلعة على التخطيط العسكري، تحدثت عن استعدادات لعملية جوية مكثفة قد تستهدف منشآت نووية وقدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة وبعض مرافق الطاقة الإيرانية.

     وتكتسب الإشارة إلى توقيت ما بعد الانتخابات أهمية سياسية؛ إذ نقلت تقارير أن البيت الأبيض لا يريد استئناف الهجمات قبل ذلك الموعد، وسط مخاوف من انعكاس التصعيد على أسواق الطاقة والظروف السياسية الداخلية الأميركية. لكن هذه المعلومات لا تثبت أن موعدا نهائيا للهجوم قد تحدد. فالخطط العسكرية قد تكون جزءا من الاستعداد لخيارات متعددة، كما يمكن أن تُستخدم لإيصال رسالة إلى الخصم بأن المسار الدبلوماسي ليس خياره الوحيد.

ماذا تريد واشنطن وتل أبيب؟

تتقاطع الأهداف الأميركية والإسرائيلية في الحد من القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، لكن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى السياسية. فواشنطن، وفقا للتقارير المتداولة، تهدف إلى توظيف الضغط العسكري والاقتصادي لدفع إيران إلى تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي وملف الصواريخ وأمن الملاحة في مضيق هرمز. أما الحكومة الإسرائيلية، فتشير التقارير إلى أنها تتبنى موقفا أكثر تشددا، وتطمح إلى إضعاف القدرات الإيرانية إلى حد يغير موازين القوى الإقليمية بصورة جوهرية.

     وذهبت بعض المصادر التي نقلت عنها وسائل الإعلام إلى أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز انتزاع تنازلات تفاوضية إلى السعي لتغيير النظام الإيراني. غير أن ذلك يظل توصيفا للموقف الإسرائيلي كما نقلته تلك المصادر، وليس دليلا على وجود اتفاق أميركي إسرائيلي نهائي بشأن تغيير النظام. وهنا يبرز احتمال الخلاف بين الحليفين: فقد ترى إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري ضرورة استراتيجية، بينما تفضل واشنطن استخدام التهديد لإجبار طهران على التفاوض، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة يصعب التحكم في نتائجها.

من أبرز ما تتضمنه التقارير الحديث عن استهداف منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة والصناعات البتروكيماوية، إلى جانب المواقع النووية والترسانة الصاروخية. وتعكس هذه التوجهات، إذا تحولت إلى عمليات فعلية، رهانا على أن إلحاق مزيد من الضرر بالاقتصاد الإيراني سيزيد الضغوط الداخلية على الحكومة ويدفعها إلى تغيير موقفها التفاوضي.

لكن هذا الرهان ليس مضمونا. فالضربات قد تضعف بعض القدرات العسكرية والإنتاجية، لكنها قد تدفع القيادة الإيرانية أيضا إلى التشدد، وتمنحها مبررا لتوسيع الرد العسكري، فضلا عن احتمال تعزيز الالتفاف الداخلي حول الدولة في مواجهة هجوم خارجي.

    كما أن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لن يبقى بالضرورة محصورا داخل حدود إيران. فأسواق النفط والغاز شديدة الحساسية لأي اضطراب في الخليج، وأي تصعيد يهدد الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وينقل أعباء المواجهة إلى اقتصادات بعيدة عن مسرح العمليات.

لا يمكن استبعاد أن تكون التسريبات المتداولة جزءا من معركة الضغط المتبادل. فالكشف عن خطط عسكرية محتملة قد يهدف إلى إقناع طهران بأن نافذة التفاوض تضيق، أو إلى طمأنة إسرائيل بأن واشنطن لم تستبعد الخيار العسكري. وفي المقابل، قد تؤدي هذه التسريبات إلى تعقيد المفاوضات، إذ تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام ضغط داخلي لرفض التنازلات التي تبدو وكأنها جاءت تحت التهديد.

وتبقى مسألة التوقيت شديدة الحساسية، خصوصا مع تداخل الحسابات الأميركية الداخلية مع الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي. فالحرب ليست مجرد قرار عسكري؛ إنها أيضا قرار سياسي تتأثر كلفته بآراء الناخبين، وأسعار الطاقة، وحسابات الحكومات، ومدى استعداد الحلفاء لتحمل تداعيات التصعيد.

الرد الإيراني واحتمالات اتساع المواجهة

    إذا نُفذت ضربات جديدة، فمن المرجح أن تواجه واشنطن وتل أبيب ردودا إيرانية، لكن حجمها وطبيعتها سيعتمدان على نطاق الهجوم وأهدافه والخسائر التي يلحقها بإيران. وقد حذرت تصريحات إيرانية نقلتها وسائل إعلام من توسيع نطاق الرد ليشمل مصالح أميركية وإسرائيلية، فضلا عن تهديدات تتعلق بالبنية التحتية الرقمية والاتصالات البحرية. وهذه التهديدات ترفع مستوى المخاطر، لكنها لا تعني أن جميع السيناريوهات ستتحقق بالضرورة، طبقاً لصحيفة تايمز أوف إسرائيل الناطقة بالإنكليزية.

      وتكمن الخطورة في أن الحسابات المتبادلة قد تنحرف عن أهدافها الأصلية. فقد تبدأ العملية بضربات محدودة، ثم تتسع بفعل الردود المضادة وسقوط الضحايا واستهداف المصالح الإقليمية، لتتحول إلى مواجهة يصعب على أطرافها تحديد سقفها أو موعد انتهائها.

      تكشف التسريبات عن أن الخيار العسكري لا يزال حاضراً بقوة في حسابات واشنطن وتل أبيب، وأن الاستعدادات المحتملة تستهدف ممارسة ضغط إضافي على إيران، وربما تهيئة الظروف لجولة جديدة من المواجهة. لكن لا تتوافر في التقارير المشار إليها أدلة قاطعة على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أصدر قرارا نهائياً باستئناف الهجمات، كما أن تحديد توقيت محتمل لا يكفي وحده لإثبات حتمية الحرب.

      والأرجح أن المنطقة تقف أمام صراع إرادات تتداخل فيه المفاوضات والتهديدات العسكرية والحسابات الانتخابية والمصالح الاقتصادية. وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة الأطراف على تحويل الضغط إلى تسوية، بدلا من تحويله إلى حرب جديدة تتجاوز كلفتها حدود إيران وإسرائيل، وتهدد أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة