أوروبا بين اضطراب الداخل وحرائق الشرق: هرمز في قلب الأزمة العالمية



“برقية”: تحليل إخباري

غير أن فهم هذه الصورة يقتضي التمييز بين أسباب الاضطراب الفرنسي الداخلية وبين التداعيات الخارجية للصراع الأمريكي الإيراني، ثم تحديد نقاط التقاء المسارين، حيث تتحول الأزمات المتزامنة إلى عوامل ضغط متبادل.
وتكشف أحداث الشغب في فرنسا، وفق تقرير صحيفة “ذي غلوب أند ميل” الكندية، عن أزمة تتجاوز التخريب والنهب ومواجهة الشرطة. فإلحاق الأضرار بآلاف المحال التجارية، والأبنية التاريخية، ومقرات مؤسساتٍ حكومية خدمية واتساع الاعتقالات، والحديث عن فرض حظر تجول، كلها مؤشرات على تراجع قدرة السلطات على احتواء الاضطراب بالوسائل الاعتيادية.
لكن الأخطر سياسياً هو تزامن العنف مع ضعف الحكومة، والانقسام داخل البرلمان، واقتراب الانتخابات الرئاسية. ففي مثل هذه الظروف، لا تبقى الفوضى قضية أمنية، بل تتحول إلى اختبار لشرعية النظام السياسي وقدرته على الحكم.
ويكشف تبادل الاتهامات بين الحكومة واليسار واليمين المتطرف عن مشكلة إضافية: تحول الأزمة الاجتماعية إلى سلاح انتخابي. فبينما تحمل الحكومة خصومها مسؤولية تأجيج الاضطرابات، يرد هؤلاء بأن سنوات من الإخفاق السياسي والاجتماعي هي التي راكمت أسباب الانفجار.
والنتيجة أن المستفيد المحتمل ليس بالضرورة الطرف الذي يمتلك الحل، بل الطرف الذي ينجح في إقناع الناخبين بأن خصومه فقدوا القدرة على إدارة الدولة. ومع ذلك، لا يجوز اختزال الاحتجاجات في سبب واحد، أو اعتبار أعمال التخريب تعبيراً مشروعاً عن المطالب الاجتماعية. فهناك فرق بين الاحتجاج السياسي والعنف، وبين تفسير أسبابه وتبرير نتائجه.

مضيق هرمز وتحول الطاقة إلى سلاح استراتيجي
على الجانب الآخر، يقدم تقرير نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية صورة أشد خطورة من حيث التداعيات الدولية. فالهجمات المتكررة على السفن، والألغام، والتهديدات التي تواجه ناقلات النفط، وتراجع حركة العبور عبر مضيق هرمز إلى مستويات تقل كثيراً عن مستويات ما قبل الصراع، كلها تجعل الملاحة والطاقة جزءاً مباشراً من أدوات المواجهة.
وتكمن أهمية المضيق في أنه ليس ممراً إقليمياً عادياً، بل أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. وأي تعطيل طويل لحركته لا يقتصر أثره على الدول الخليجية أو المستهلكين الآسيويين، وإنما يمتد إلى أسعار النفط والغاز والنقل والتأمين والإنتاج الصناعي والغذاء.
وأشار التقرير إلى اقتراب سعر برميل خام برنت من 108 دولارات في ظل التصعيد. وهذه إشارة إلى أن المخاطر الجيوسياسية بدأت تنعكس في تكلفة الطاقة، وإن كانت الأسعار تتأثر أيضاً بعوامل العرض والطلب والمخزونات والتوقعات المستقبلية.
أما الأخطر فهو أن ارتفاع كلفة الطاقة لا يتوقف عند فاتورة الوقود؛ إذ ينتقل تدريجياً إلى تكاليف الشحن والأسمدة والصناعة والزراعة، ثم إلى أسعار السلع الأساسية. وهكذا يمكن أن تتحول أزمة عسكرية في منطقة محددة إلى ضغط معيشي على ملايين الأسر التي لا تملك أي تأثير في مسار الحرب.

اللاحرب واللاسلم… أخطر من مواجهة محدودة؟
تكمن خطورة الصراع الأمريكي الإيراني في احتمال استمراره ضمن معادلة اللاحرب واللاسلم: لا تسوية سياسية تضمن استقرار الملاحة، ولا حرب شاملة تحسم الصراع، بل تصعيد متقطع وتهديدات متبادلة ووساطات لا تزال نتائجها غير مضمونة.
في هذه الحالة، يصبح الغموض نفسه عاملاً اقتصادياً مدمراً. فالشركات لا تحتاج إلى اندلاع حرب شاملة حتى ترفع تكاليف التأمين والشحن، والمستثمرون لا ينتظرون وقوع الكارثة كي يعيدوا حساباتهم، والدول المستوردة للطاقة قد تبدأ بالتحوط قبل أن تواجه نقصاً فعلياً في الإمدادات. كما أن استمرار التهديدات يضع الولايات المتحدة أمام معضلة استراتيجية: كيف تمنع إيران من فرض سيطرة فعلية على الملاحة، من دون الانجرار إلى حرب أوسع قد تعطل إمدادات الطاقة وتستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية الأمريكية؟
وفي المقابل، قد تراهن طهران على أن قدرتها على تهديد الملاحة تمنحها ورقة تفاوضية في مواجهة العقوبات والضغوط العسكرية. لكن هذه الورقة تنطوي على مخاطرة؛ لأن توسيع نطاق الضرر الاقتصادي قد يدفع دولاً أخرى إلى الاصطفاف ضدها، ويزيد احتمال المواجهة بدلاً من انتزاع تنازلات سياسية. ومن هنا تصبح الوساطة الروسية، وأي تحرك صيني محتمل، جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الأمني في المنطقة، لا مجرد مساعٍ تقنية لإعادة فتح المضيق.
أوروبا بين الفوضى الداخلية والصدمة الاقتصادية

لا يثبت التقرير الخاص بفرنسا أن اضطراباتها ناجمة عن أزمة هرمز، كما لا يكفي التقرير الثاني وحده للجزم بأن إيطاليا أو سائر الدول الأوروبية تشهد الفوضى ذاتها. لكن الجمع بين التقريرين يكشف عن مسارين يمكن أن يتقاطعا: اضطراب سياسي واجتماعي داخلي، وضغط اقتصادي خارجي ناجم عن ارتفاع كلفة الطاقة وعدم اليقين.
فأوروبا، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الطاقة، تواجه احتمال ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة والخدمات. وإذا طال أمد الأزمة، فقد تتجدد الضغوط التضخمية، وتتراجع القدرة الشرائية، وتزداد معاناة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وفي إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، يتوقف حجم الأثر على مزيج الطاقة، ومصادر الاستيراد، والمخزونات، والسياسات المالية، وقدرة الحكومات على حماية الفئات الأكثر هشاشة.
لكن الخطر السياسي يتجاوز الأرقام الاقتصادية. فعندما يشعر المواطن بأن دخله يتآكل، وأن الخدمات تتراجع، وأن حكومته عاجزة عن معالجة مشكلاته، يصبح أكثر استعداداً للاستماع إلى القوى التي تعده بحلول حاسمة، حتى لو كانت تلك الحلول تبسيطية أو متطرفة.
وهنا تلتقي أزمة المعيشة بأزمة الثقة. وقد تستفيد القوى الشعبوية والقومية من هذا المناخ، مستثمرةً الخوف من الفوضى والهجرة وارتفاع الأسعار لتوسيع نفوذها الانتخابي. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الاحتمالات إلى نتائج مؤكدة يتطلب بيانات مستقلة عن اتجاهات الأسعار والاحتجاجات والرأي العام في كل دولة.

البيئة والعالم أمام فاتورة الصراع.
يضيف تقرير «الغارديان» بعداً آخر لا يحظى بما يستحقه من الاهتمام: الأضرار البيئية الناجمة عن استهداف السفن والناقلات. فالتسربات النفطية والمواد الكيميائية ومخلفات السفن لا تهدد الحياة البحرية وحدها، بل يمكن أن تمس مصائد الأسماك وتحلية المياه والسياحة الساحلية.
وهذه أضرار تتجاوز الحدود الوطنية، وقد تستمر آثارها بعد توقف العمليات العسكرية. كما أنها تفرض أعباء مالية إضافية على دول وشعوب لم تكن طرفاً مباشراً في اتخاذ قرارات الحرب. والأمر ذاته ينطبق على الاقتصاد العالمي؛ فاضطراب الملاحة لا يرفع تكلفة النفط وحده، بل يهدد انتظام سلاسل الإمداد ويزيد هشاشة الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد، ولا سيما البلدان الفقيرة التي تملك قدرة محدودة على امتصاص الصدمات.
أزمة مترابطة، ولكنها ليست أزمة واحدة

إن الخيط الذي يجمع هذه التطورات ليس وجود سبب واحد يفسرها جميعاً، بل تفاعل أزمات مختلفة داخل نظام دولي تتزايد فيه المخاطر المتبادلة. فالفوضى في فرنسا تعكس صراعاً داخلياً على الثقة والسلطة والقدرة على الحكم، بينما يكشف اضطراب هرمز عن استخدام الجغرافيا والطاقة والملاحة أدواتٍ في صراع استراتيجي. وقد يؤدي استمرار أزمة الطاقة إلى مضاعفة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا، لكن ذلك لا يجعل الحرب سبباً وحيداً للاحتجاجات، ولا يجعل الانهيار الأوروبي نتيجة حتمية لها.
إن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، حيث تتراكم الكلفة من دون أن تتبلور تسوية مستقرة: اقتصادياً، عبر ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات؛ وسياسياً، عبر تراجع الثقة وصعود الاستقطاب؛ وبيئياً، عبر أضرار قد تستمر سنوات.





