تحليل سياسي

تصعيد عسكري يختبر معادلات الأمن والنفوذ في “السعودية”..

    تكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية في الصراع اليمني: التفوق العسكري والتكنولوجي لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية. فقد أنفقت السعودية موارد ضخمة على منظومات التسليح والدفاع الجوي، لكنها ظلت عاجزة عن إنهاء التهديد الحوثي بصورة حاسمة. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى طبيعة الحرب غير المتكافئة، حيث يستطيع الخصم استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لاستنزاف القدرات الدفاعية، وإجبار الطرف الأقوى على تخصيص موارد متزايدة لحماية منشآته الحيوية. وهكذا تتحول كلفة الدفاع، بمرور الوقت، إلى عنصر ضغط اقتصادي واستراتيجي، حتى عندما لا تحقق الهجمات نتائج عسكرية حاسمة.

في المقابل، لا ينبغي النظر إلى الحوثيين بوصفهم مجرد أداة إيرانية تتحرك وفق إرادة خارجية مطلقة. فالعلاقة مع طهران تمنحهم إمكانات وخبرات مهمة، لكن قدرتهم على اتخاذ قرارات التصعيد ترتبط أيضا بحساباتهم المحلية، وبالصراع على النفوذ داخل اليمن، وبمحاولاتهم تعزيز موقعهم الإقليمي. ومن شأن تجاهل هذه الاستقلالية النسبية أن يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لطبيعة التهديد، كما أن اختزال الصراع في المواجهة السعودية الإيرانية قد يحجب العوامل اليمنية التي أسهمت في استمراره.

وتكتسب الجغرافيا هنا أهمية استثنائية. فمضيق باب المندب والبحر الأحمر ليسا مجرد ممرين ملاحيين، بل يشكلان جزءا من شبكة المصالح الدولية المرتبطة بالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. وكلما امتدت المواجهة إلى هذه المساحات، ازدادت احتمالات انتقال آثارها من المستوى الإقليمي إلى الاقتصاد العالمي. كما أن تهديد المطارات والمنشآت المدنية يبعث برسالة تتجاوز الخسائر المادية، مفادها أن الاستقرار الذي تسعى السعودية إلى تقديمه بوصفه أساسا لجذب الاستثمارات قد يصبح عرضة للاهتزاز بفعل جماعات لا تمتلك بالضرورة تفوقا عسكريا تقليديا.

وهنا تبرز المعضلة السعودية الأكثر تعقيدا: كيف يمكن حماية مشروع التحول الاقتصادي في ظل بيئة أمنية غير مستقرة؟ فالرؤية الاقتصادية التي تتطلب تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وتنشيط السياحة، واستضافة المؤتمرات والفعاليات الدولية، تحتاج إلى مستوى مرتفع من الثقة بالأمن والاستقرار. ولا يعني ذلك أن المستثمرين سينسحبون تلقائيا عند وقوع كل أزمة، لكنه يعني أن استمرار المخاطر قد يرفع كلفة الاستثمار، ويجعل القرارات الاقتصادية أكثر ارتباطا بالتقديرات الأمنية والسياسية. ومن ثم، فإن نجاح الهجمات في إرباك النشاط الاقتصادي أو إثارة المخاوف قد يمنحها أثرا يتجاوز بكثير حجم الأضرار المباشرة.

أما الولايات المتحدة، فتواجه بدورها اختبارا دقيقا لمصداقية التزاماتها الأمنية في المنطقة. فالسعودية تعتمد بدرجة كبيرة على منظومات تسليح أمريكية، لكنها قد تكتشف أن امتلاك الأسلحة المتطورة لا يعادل ضمان التدخل العسكري المباشر عند كل تصعيد. وتضع واشنطن بين خيارين مكلفين: توسيع مشاركتها العسكرية بما قد يؤدي إلى انخراط أعمق في صراع إقليمي، أو الاكتفاء بالدعم الاستخباراتي والدفاعي، بما قد يثير تساؤلات لدى حلفائها بشأن حدود الحماية الأمريكية. وفي الحالتين، فإن الحسابات لا تنفصل عن أولويات الإدارة الأمريكية الداخلية، ولا عن رغبتها في تجنب حرب مفتوحة يصعب تحديد نهايتها.

وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع التعاون الدفاعي السعودي مع تركيا وباكستان باعتباره بديلا جاهزا عن المظلة الأمريكية. فقد يسهم تنويع الشراكات في تعزيز القدرات الدفاعية وتقليص الاعتماد على طرف واحد، لكنه لا يضمن توافقا كاملا في الأهداف السياسية أو الاستعداد للمشاركة في عمليات هجومية. فلكل دولة حساباتها ومصالحها وحدود تدخلها، الأمر الذي يجعل التحالفات أكثر تعقيدا من مجرد اتفاقات عسكرية.

والخلاصة أن التصعيد لا يضع السعودية أمام خيار عسكري فحسب، بل أمام ضرورة مراجعة أوسع لمفهوم الأمن ذاته. فالرد العسكري قد يكون ضروريا لحماية المنشآت والسكان، لكنه لا يشكل بمفرده ضمانة لإنهاء التهديد. وقد تؤدي الضربات الواسعة إلى إضعاف الخصم مرحليا، لكنها قد تعيد إنتاج دائرة التصعيد إذا لم تقترن بمسار سياسي يعالج جذور الصراع اليمني، ويحد من قدرة الأطراف على تحويل الجغرافيا والممرات التجارية إلى أدوات ضغط متبادل.

مقالات ذات صلة