هل يعيد التاريخ نفسه بين بغداد 2003 وطهران 2026؟




في خطابه الأخير، أعاد الرئيس دونالد ترامب وضع الملف الإيراني في إطار “التهديد الوجودي”، مؤكدًا أن طهران باتت، وفق التقديرات الأمريكية، على مسافة قصيرة من العتبة النووية، وأن النية لا تقل خطورة عن القدرة. هكذا يتحول الصراع من نزاع سياسي قابل للاحتواء إلى خطر داهم يبرر—في منطق القوة—تحركًا استباقيًا لا ينتظر اكتمال المشهد.
داخل أروقة البنتاغون، تتكثف الاجتماعات المغلقة، فيما تتحدث تسريبات عن تحديث “بنك أهداف” واسع النطاق يشمل منشآت نووية وبنى تحتية صاروخية ومراكز قيادة. بعض أعضاء الكونغرس، ومنهم تيد كروز، لمّحوا في مقابلات متلفزة إلى أن الخيارات العسكرية لم تعد نظرية، وأن نافذة الحسم قد تكون أقرب مما يتوقعه الرأي العام.
في المقابل، تنقل مداولات مغلقة أن الإدارة منحت طهران مهلة قصيرة—تُقاس بالأيام لا بالأسابيع—للاستجابة لشروط تُوصف بأنها تفكيك كامل لبرنامج التخصيب وقيود صارمة على الصواريخ الباليستية، وإلا فإن “الضربة الاستباقية” ستنتقل من احتمال إلى قرار.
مراكز التفكير في العاصمة لا تبدو بعيدة عن هذا الإيقاع المتسارع. تقارير صادرة عن معهد الشرق الأوسط ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات تتحدث عن أن سياسة “الخنق التدريجي” بالعقوبات بلغت حدّها الأقصى، وأن أي مصداقية للتهديد الأمريكي تتطلب استعدادًا عمليًا لاستخدام القوة إذا فشلت الدبلوماسية.
وفي تقديرات متقاطعة، يجري التأكيد على أن الحشد البحري وتحريك الأصول الجوية في المنطقة ليسا رسائل ردع فحسب، بل عناصر تموضع قتالي يختبر الجاهزية والقدرة على تنفيذ ضربات مركزة وسريعة تهدف إلى شلّ القدرة على الرد، لا إلى احتلال الأرض.
الخطاب الإعلامي الأمريكي بدأ بدوره يهيئ الأرضية النفسية؛ مصطلحات مثل “التهديد النووي الوشيك” و“ساعة الصفر” تتصدر العناوين، بينما يُعاد تقديم مفهوم “الضربة الاستباقية” باعتباره إجراءً دفاعيًا يحمي الأمن القومي.
في المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها دفاعي وأنها لن ترضخ لإملاءات تمس سيادتها، ما يرفع سقف المواجهة ويضيّق هامش المناورة. وبين التصعيدين، تبدو الدبلوماسية كقشرة رقيقة فوق صفيح ساخن؛ قنوات الاتصال لم تُغلق تمامًا، لكنها تعمل تحت ضغط مهلة سياسية تُقال همسًا في الممرات: الأسبوع القادم حاسم.
التاريخ يعلّم أن القرارات الكبرى لا تُعلن ساعة اتخاذها، بل يُمهَّد لها بخطاب يهيئ الداخل ويختبر الخارج. وعندما يتكثف الحديث عن خطر لا يحتمل الانتظار، فإن ذلك غالبًا ما يكون مؤشرًا على أن الخيارات وُضعت على الطاولة التنفيذية بالفعل، وأن ما تبقى هو تحديد اللحظة المناسبة.

في سيناريو متوقع افتراضي، قد لا يكون التصعيد تقليديًا على شكل ضربات جوية فقط، بل قد يحمل مفاجأة مركّبة تتجاوز الحسابات العسكرية الكلاسيكية؛ مفاجأة تشبه من حيث الأثر الصادم ما قامت به إسرائيل ضد حزب الله عبر أدوات غير متوقعة، ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا داخل العمق الإيراني.
قد نشهد اختراقات أمنية أو سيبرانية نوعية داخل إيران تستهدف مراكز حساسة أو شبكات بنيوية، بالتوازي مع تفعيل عناصر داخلية مؤثرة—سياسية أو اقتصادية أو حتى بيروقراطية—تجد مصلحتها في تسهيل الضغط الخارجي أو إعادة ترتيب موازين القوى.
وفي حال ترافق ذلك مع تحرك جماهيري واسع نتيجة الضغوط الاقتصادية والسياسية، فإن المشهد قد يتحول إلى أزمة داخلية تتجاوز حدود الصراع الخارجي، وربما يُستخدم خطاب “اللامركزية” أو “إعادة توزيع الصلاحيات الإقليمية” كورقة ضغط سياسية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تقسيمًا مباشرًا، بل توظيف فكرة التفكك كأداة تفاوضية.
في مثل هذا السيناريو، لن تكون المواجهة بين دولتين فحسب، بل صراعًا متعدد الطبقات تمزج فيه الولايات المتحدة بين القوة الصلبة وأدوات التأثير غير المباشر، بحيث يصبح الداخل الإيراني نفسه ساحة التأثير الحاسمة.
إذا لم تستجب إيران للشروط الأمريكية ضمن الإطار الزمني المتداول، فإن المشهد—بحسب قراءات عدد من صناع القرار والباحثين—مرشح لأن يشهد انتقالًا من حرب الكلمات إلى فعل عسكري محدود في أهدافه، واسع في رسائله، يراد له أن يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. وبين من ينتظر معجزة سياسية في اللحظات الأخيرة ومن يرى أن عجلة القرار دارت بما يكفي، تبقى المنطقة معلقة على إيقاع أسبوع قد يغيّر مسارها لسنوات.





