تحليل سياسي

حكومة “المهمة” لا حكومة “المشروع”..

المثير للانتباه أن قوى الإطار التنسيقي، التي خاضت لسنوات طويلة معارك شرسة على منصب رئاسة الوزراء، وتنافست عليه بشراسة، وتسببت خلافاتها أحيانًا بشلل سياسي طويل، بدت هذه المرة وكأنها تخلّت بسهولة غير معهودة عن هذا الاستحقاق الأهم في النظام السياسي العراقي، ومنحته لشخص لا يمتلك تاريخًا جهاديًا بارزًا، ولا إرثًا سياسيًا ثقيلًا، ولا حضورًا تقليديًا ضمن مراكز القرار المعروفة.

     هذا التنازل بحد ذاته ليس تفصيلًا عابرًا، بل يحمل دلالات عميقة. فمن غير المنطقي أن تتنازل القوى الأكثر تمسكًا بالسلطة عن المنصب التنفيذي الأهم، إلا إذا كانت هناك مهمة حساسة تحتاج إلى شخصية تتحمل الكلفة السياسية وحدها، وتُستخدم كواجهة لتنفيذ قرار كبير لا تريد تلك القوى أن تتحمل مسؤوليته المباشرة أمام جمهورها.

    والأكثر إثارة للانتباه، أن أول إشارة أمريكية رسمية بعد التكليف لم تصدر من وزارة الخارجية الأمريكية مباشرة، كما جرت العادة في المواقف التي تتعلق بالدعم الواضح للحكومة العراقية، بل صدرت من بعثة الولايات المتحدة في العراق، وهو مستوى تمثيل أدنى سياسيًا ودبلوماسيًا، وهذه ليست مسألة بروتوكولية عابرة، بل تحمل دلالة مقصودة في لغة السياسة.

    فالبيان لم يتضمن دعمًا مطلقًا وغير مشروط، بل جاء بصيغة حذرة ومدروسة، إذ فصل بشكل واضح بين دعم الحكومة وبين التضامن مع الشعب العراقي، واستخدم تعبيرًا لافتًا حين أشار إلى أن الحكومة المقبلة ينبغي أن تحقق “فوائد ملموسة للأمريكيين والعراقيين معًا”، وهي عبارة تكشف بوضوح أن واشنطن لا تتحدث عن تهنئة سياسية بقدر ما ترسل رسالة شروط ومصالح.

     فالولايات المتحدة لا تمنح دعمها مجانًا، بل تربطه دائمًا بانسجام السياسة العراقية مع استراتيجيتها الإقليمية، بدءًا من ضبط العلاقة مع إيران، وتقليص مساحة الضبابية في موقف بغداد من الصراع الأمريكي الإيراني، مرورًا بضمان عدم تحوّل العراق إلى ساحة تهديد للمصالح الأمريكية أو لأمن إسرائيل، وصولًا إلى ملفات أكثر حساسية مثل إنهاء سلاح الفصائل، وإعادة صياغة وضع الحشد الشعبي، والانخراط التدريجي في مشروع إعادة ترتيب الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا، والذي يتضمن في أحد أخطر مساراته ملف التطبيع.

     ومن هنا، فإن هذه التغريدة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تهنئة دبلوماسية، بل باعتبارها أول اختبار علني لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وأول إعلان غير مباشر بأن الحكومة القادمة ستكون محكومة بسقف تفاهمات مسبقة، لا بسقف برنامج وطني مستقل.

    وهنا تتعزز فرضية أننا لا نقف أمام “حكومة مشروع”، تحمل رؤية سياسية متكاملة للدولة، بل أمام “حكومة مهمة”، جاءت لتنفيذ استحقاق إقليمي ودولي محدد، ثم تُترك لاحقًا لمصيرها السياسي، تمامًا كما حصل في تجارب تاريخية مشابهة، حيث لا يكون بقاء الحكومة هو الهدف، بل إنجاز المهمة فقط.

    هنا يبدأ الربط بين الداخل العراقي والتحولات الإقليمية الكبرى، خصوصًا في ظل الصراع الأمريكي الإيراني، ومحاولات واشنطن المستمرة لإعادة رسم خارطة النفوذ في المنطقة، عبر تحييد العراق، وإبعاده تدريجيًا عن محور المقاومة والخندق الإيراني، ودفعه نحو تموضع سياسي جديد أكثر انسجامًا مع الرؤية الأمريكية.

    ضمن هذا السياق، يبرز ملف التطبيع مع الكيان الصهيوني بوصفه أحد أخطر الملفات المؤجلة، وأكثرها حساسية وتعقيدًا. فالقوى الشيعية الحاكمة، وخصوصًا الإطار التنسيقي، لا تستطيع سياسيًا وشعبيًا وتاريخيًا أن تتبنى هذا الخيار بشكل مباشر، لأنها بنت جزءًا كبيرًا من شرعيتها على خطاب المقاومة ورفض المشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.

    لذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية قد لا يكون في إعلان هذه القوى للتطبيع بنفسها، بل في تمريره عبر حكومة انتقالية أو استثنائية، تتولى فتح الباب أو توقيع الاتفاق أو وضع الأساس القانوني والسياسي له، ثم تُترك لاحقًا لتسقط تحت ضغط الشارع أو الصراع السياسي، بينما يبقى الاتفاق قائمًا بوصفه “أمرًا واقعًا” يصعب التراجع عنه.

     هذا النموذج ليس جديدًا في المنطقة، بل له سوابق واضحة. فمصر بعد اتفاقية كامب ديفيد مثال حي على ذلك. فعلى الرغم من سقوط نظام حسني مبارك لاحقًا، ووصول حكومة الإخوان المسلمين بزعامة محمد مرسي، لم تُلغَ الاتفاقية، ولم يُفتح ملفها من جديد، بل جرى التعامل معها باعتبارها واقعًا سياسيًا قائمًا لا يمكن القفز فوقه بسهولة، مهما تغيّرت الحكومات وتبدلت الشعارات.

     وهذا ما قد يُراد للعراق أيضًا: تمرير اتفاق التطبيع عبر حكومة علي الزيدي، ثم التعامل معه لاحقًا كحقيقة سياسية مفروضة، فيما يعود الإطار التنسيقي إلى المشهد متحررًا من المسؤولية المباشرة، ليقول لجمهوره إنه لم يكن هو من وقّع، ولم يكن هو من فتح الباب، بل حكومة ظرفية جاءت لمهمة محددة ثم انتهت.

     بمعنى آخر، المطلوب ليس أن يتحمل الإطار مسؤولية التطبيع، بل أن يستفيد من نتائجه السياسية والإقليمية لاحقًا، من دون أن يدفع ثمنه الشعبي والعقائدي. وهذا يفسر لماذا تم اختيار شخصية لا ترتبط بتاريخ نضالي أو جهادي واضح، لأن المهمة هنا لا تحتاج إلى زعيم جماهيري، بل إلى رجل مرحلة مؤقتة، يؤدي الوظيفة المطلوبة ثم يغادر.

     إن تشبيه هذه الحالة بحكومة صالح جبر عام 1948 ليس بعيدًا عن الواقع؛ فحكومته جاءت في لحظة حساسة لتوقيع معاهدة بورتسموث التي كرّست النفوذ البريطاني، ولم تعمّر طويلًا بعد إنجاز المهمة. واليوم قد نكون أمام نسخة حديثة من ذات النموذج، لكن بأدوات مختلفة وعناوين جديدة.

مقالات ذات صلة