تحليل سياسي

“الدرس الأخير” للبلدان العربية..فنزويلا بين استعادة الديمقراطية و”استباحة” السيادة!!

     لقد عادت ماتشادو وسط أنصارها، حاملة شرعية سياسية تستند إلى دورها في الانتخابات المتنازع على نتائجها عام 2024، وإلى فوز مرشح المعارضة إدمنـدو غونزاليس الذي لم يسمح له النظام بتولي الرئاسة. غير أن عودتها كشفت أيضا مفارقة تستحق التوقف عندها: فالولايات المتحدة التي أسهمت في إزاحة مادورو بالقوة العسكرية، لا تبدو متحمسة لتسليم السلطة إلى المعارضة التي خاضت الانتخابات وحققت الفوز، بل تتعامل بإيجابية مع ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو السابقة والرئيسة الانتقالية الحالية. وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية لماتشادو: كيف تستثمر الدعم الأميركي من دون أن تتحول إلى رهينة له؟

                ترامب لا تشغله “الديمقراطية” في فنزويلا

     تُظهر الوقائع الواردة في التقرير أن إدارة ترامب لا تتعامل مع فنزويلا باعتبارها قضية ديمقراطية، بل لأنها فرصة لإعادة ترتيب المصالح الأميركية في بلد يمتلك واحدا من أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم. فبعد اعتقال مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، لم تنتقل السلطة إلى المعارضة التي قالت إنها فازت في الانتخابات، وإنما استمرت مؤسسات النظام السابق في إدارة الدولة من خلال رودريغيز، التي أبدت استعدادا للتفاوض مع واشنطن بشأن النفط والعلاقات الاقتصادية.

    وتكمن الدلالة السياسية هنا في أن واشنطن استطاعت تغيير رأس النظام من دون أن تضطر إلى تفكيك بنيته أو تسليم السلطة إلى خصومه. وهذا نموذج شديد الأهمية في فهم السياسة الأميركية: فقد لا يكون تغيير النظام، في بعض الحالات، هدفا بحد ذاته، بقدر ما يكون تغيير سلوكه واتجاهاته الاقتصادية والاستراتيجية.

      وبهذا المعنى، قد يكون ترامب قد وجد في رودريغيز شريكا أكثر قابلية للتعامل معه من ماتشادو؛ فهي تستطيع ضمان استمرار مؤسسات الدولة، وضبط قطاع النفط، وتوفير الظروف اللازمة للشركات الأميركية، من دون الدخول في مغامرة انتقال سياسي قد تهدد استقرار المصالح التي تسعى واشنطن إلى تثبيتها.

     أما الديمقراطية، فتتحول في هذه المعادلة من غاية معلنة إلى استحقاق مؤجل، يمكن تقديمه أو تأخيره تبعا لمتطلبات المصالح الأميركية. وإذا صحت هذه القراءة، فإن المشكلة لا تكمن في أن ترامب تخلى عن حليفة سياسية فحسب، بل في أن تحالفه معها لم يكن بالضرورة قائما على تصور مشترك لمستقبل فنزويلا، وإنما على تقاطع مؤقت في المصالح.

       هل كانت العلاقة بين ماتشادو وترامب تحالفا أم رهانا على القوة الأميركية؟. أخطأت ماتشادو، أو ربما اضطرتها الظروف، إلى الاعتقاد بأن إطاحة مادورو ستفتح الطريق تلقائيا أمام انتقال ديمقراطي تقوده المعارضة، وأن دعم ترامب سيترجم إلى اعتراف أميركي بحقها وحق غونزاليس في إدارة البلاد.

      لقد ذهبت إلى أبعد من المجاملة السياسية حين سلمت ترامب ميدالية جائزة نوبل للسلام التي حصلت عليها، في خطوة أرادت من خلالها التعبير عن امتنانها لدوره في قضيتها، وربما تعزيز موقعها لدى رئيس يولي أهمية استثنائية للولاء الشخصي والتقدير العلني.

       لكن السياسة الدولية لا تُدار بالمجاملات، ولا تكفي التضحيات الرمزية لضمان التزامات استراتيجية. فترامب لم يتردد في الإشادة برودريغيز، بينما أبدى تحفظا على إجراء انتخابات قريبة، معتبرا أن الظروف غير مناسبة بعد. وهذه المفارقة تضع ماتشادو أمام حقيقة قاسية: الرجل الذي راهنت على دعمه لا يرى بالضرورة أن وصولها إلى السلطة هو الخيار الأفضل للمصالح الأميركية في المرحلة الراهنة.

     بل إن عودة ماتشادو نفسها تكشف حدود قدرتها على التأثير في القرار الأميركي. فقد تحدثت تقارير عن محاولات سابقة للعودة واجهت عراقيل، وعن تدخلات أميركية لحثها على التأجيل، فيما جاءت عودتها الأخيرة في سياق تفاهمات دولية ومفاوضات سياسية أوسع.

وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول، أفادت رويترز بأن ماتشادو تواجه توازنا بالغ الحساسية بين المطالبة بانتخابات سريعة والمحافظة على مسار تفاوضي تدعمه واشنطن، لكنه لا يضمن مشاركتها المباشرة في صياغة المرحلة الانتقالية. إنها ليست علاقة متكافئة بين حليفين؛ فالطرف الأميركي يمتلك القوة العسكرية والاقتصادية وأدوات الضغط، بينما تحتاج ماتشادو إلى اعتراف دولي وضمانات انتخابية وأمنية.

     ولذلك فإن وصف العلاقة بأنها «صورية» قد يكون مفهوما سياسيا، لكن الأدق أنها علاقة غير متكافئة، استندت إلى توقعات متبادلة لم تتطابق: أرادت ماتشادو دعما أميركيا لاستعادة الحكم الديمقراطي، فيما أرادت واشنطن ترتيبات تضمن مصالحها بأقل قدر ممكن من المخاطر!!.

      النفط وحرب إيران… هل تتحول فنزويلا إلى تعويض استراتيجي؟

    تكتسب المسألة النفطية أهمية إضافية عند ربطها بالحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، وما ترتب عليها من اضطراب في إمدادات الطاقة وتهديد الملاحة عبر مضيق هرمز. فالمضيق ليس ممرا بحريا عاديا، بل شريان حيوي لتجارة النفط والغاز العالمية. وأي إغلاق أو تعطيل واسع لحركة الملاحة فيه يضع الأسواق الدولية أمام أزمة تتجاوز المنطقة، ويمتد أثرها إلى أسعار الوقود والتضخم وتكاليف النقل والصناعة.

       وقد أظهرت الحرب أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة السيطرة على النتائج الاقتصادية. فإيران، بما تمتلكه من قدرة على تهديد الملاحة في محيط المضيق، تستطيع إلحاق أضرار بأسواق الطاقة حتى عندما تتعرض لضربات عسكرية. وفي هذا السياق، تبدو فنزويلا ذات قيمة استراتيجية متزايدة لواشنطن، بالنظر إلى احتياطياتها النفطية الضخمة وإمكانات زيادة إنتاجها وصادراتها.

      لكن ينبغي التمييز بين أمرين: الأول، أن اضطراب إمدادات الطاقة بفعل الحرب يجعل تنويع مصادر النفط وتأمين الإمدادات مصلحة أميركية واضحة؛ والثاني، أن واشنطن خططت مسبقا لإزاحة مادورو والاستحواذ على النفط الفنزويلي لتعويض إغلاق مضيق هرمز.

      الأمر الأول تدعمه منطقية المصالح الاستراتيجية والوقائع المتعلقة بأهمية النفط الفنزويلي. أما الثاني، فلا يكفي التقرير وحده لإثباته، ولا يجوز تحويل التزامن بين الأحداث إلى دليل قاطع على وجود خطة مسبقة. ومع ذلك، فإن غياب الدليل على وجود خطة متكاملة لا يلغي السؤال السياسي الأهم: هل تستثمر واشنطن الأزمة الإيرانية واضطراب أسواق الطاقة لتوسيع نفوذها على الموارد الفنزويلية؟

      إن حصول الشركات الأميركية على فرص واسعة في قطاع النفط، وسعي الإدارة إلى تأمين الإمدادات، يجعلان هذا الاحتمال جديرا بالتحليل. فالأزمات الكبرى لا تخلق المصالح بالضرورة، لكنها تتيح للقوى الكبرى تسريع تنفيذها. وهنا تكمن خطورة أن تصبح فنزويلا جزءا من معادلة أوسع، تُقاس فيها قيمة البلاد بقدرتها على تعويض نقص الإمدادات أو تخفيف آثار أزمة نفطية عالمية، بدلا من النظر إليها باعتبارها دولة ذات سيادة وشعب يمتلك حق تقرير مصيره.

      فإذا أصبح النفط هو الثمن الذي تُشترى به التسوية السياسية، فقد يجد الفنزويليون أنفسهم أمام مفارقة تاريخية: التخلص من حاكم مستبد، مقابل نشوء علاقة خارجية تقيد قدرة الدولة على التحكم بثروتها وقرارها الاقتصادي. فهل تستطيع ماتشادو استعادة السيادة الوطنية؟. إن التحدي الأكبر أمام ماتشادو لا يتمثل في استعادة موقعها السياسي وحده، بل في الفصل بين مطلبين قد يتعارضان إذا لم تحسن إدارتهما: الحاجة إلى دعم خارجي يحمي الانتقال الديمقراطي، وضرورة رفض أي وصاية خارجية تنتقص من استقلال القرار الوطني.

مستقبل فنزويلا..لا ديمقراطية كاملة من دون سيادة

       ولا تستطيع ماتشادو تحقيق هذا الفصل بمجرد الخطاب الوطني أو إعلان الولاء للشعب. إنها تحتاج إلى مشروع سياسي واضح يحدد طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وحدود التعاون الاقتصادي معها، وموقفها من العقود النفطية والامتيازات الممنوحة للشركات الأجنبية. فالدولة التي تستعيد الديمقراطية لا تستعيد كرامتها بمجرد إجراء انتخابات، إذا بقيت ثرواتها خاضعة لشروط خارجية لا يملك شعبها مناقشتها أو مراجعتها.

        كما أن السيادة لا تعني رفض الاستثمار الأميركي أو قطع العلاقات مع واشنطن. فمن حق فنزويلا أن تتعاون مع الولايات المتحدة وغيرها، وأن تستفيد من رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات اللازمة لإعادة بناء اقتصادها. لكن الفارق جوهري بين تعاون تجاري قائم على المصالح المتبادلة، وترتيبات تُفرض تحت ضغط القوة العسكرية أو الحاجة الاقتصادية.

     ولكي تتجاوز ماتشادو ارتهانها لترامب، تحتاج إلى ثلاثة مسارات متوازية. أولها، بناء شرعية داخلية جامعة، لا تقتصر على أنصارها، بل تشمل القوى السياسية والاجتماعية التي تريد إنهاء الاستبداد واستعادة المؤسسات الدستورية. وثانيها، تدويل قضية الديمقراطية الفنزويلية من خلال علاقات مستقلة مع أوروبا ودول أميركا اللاتينية والأمم المتحدة، بحيث لا يصبح البيت الأبيض المرجعية الوحيدة لمستقبل البلاد. وثالثها، إعلان مبادئ واضحة بشأن إدارة النفط والموارد الوطنية، تتضمن الشفافية في العقود، والرقابة البرلمانية، ومنع الاحتكار، وضمان توجيه عائدات الثروة إلى إعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة.

      أما إذا استمرت ماتشادو في تقديم التنازلات الرمزية والشخصية لترامب أملا في أن يمنحها السلطة، فإنها تخاطر بفقدان جزء من رصيدها الوطني، من دون أن تحصل في المقابل على ضمانات حقيقية. لكن عليها أيضا ألا تقع في الخطأ المعاكس، فتدخل مواجهة مباشرة مع واشنطن قبل امتلاك قاعدة داخلية ومؤسسات قادرة على حماية البلاد من انتكاسة جديدة.

إن عودة ماتشادو تمنح المعارضة فرصة جديدة، لكنها لا تعني أن فنزويلا استعادت قرارها الوطني، ولا أن الديمقراطية أصبحت أمرا محسوما. لقد أُزيح مادورو، لكن ذلك لم يؤد تلقائيا إلى انتقال السلطة إلى المعارضة. وبقيت رودريغيز في موقع القيادة الانتقالية، فيما تتقدم التفاهمات الأميركية المتعلقة بالنفط والاستقرار على الاستحقاق الانتخابي العاجل. فالرئيس الأميركي الذي يتعامل مع فنزويلا باعتبارها فرصة اقتصادية واستراتيجية قد لا يرى في وصول المعارضة إلى الحكم ضرورة، إذا أمكنه الحصول على ما يريد من السلطة القائمة.

مقالات ذات صلة