التنافس السعودي-الإماراتي..حروب البحر الأحمر ومآلات الصراع الخليجي




ينطلق المقال من مفارقة أساسية: تواجه السعودية والإمارات تهديدات مباشرة، تتصل بإيران والحوثيين وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، ومع ذلك تنخرطان في تنافس إقليمي يمتد إلى السودان واليمن والقرن الإفريقي.
وهذه المفارقة ليست بلا أساس. فالدول التي ترى أمنها مهدداً قد تلجأ إلى بناء شبكات من الحلفاء، وتوسيع حضورها في الموانئ والممرات البحرية، والتأثير في موازين القوى داخل الدول المجاورة. لكن هذه السياسات، وإن انطلقت من اعتبارات أمنية أو اقتصادية مفهومة، يمكن أن تنقلب إلى مصدر تهديد إذا أدت إلى تعدد مراكز النفوذ، وتضارب أهداف الحلفاء، وتحويل النزاعات المحلية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
هنا تبرز إحدى أهم أفكار المقال: ليس كل توسع في النفوذ مكسبا استراتيجيا، وليس كل حضور عسكري أو سياسي إضافي ضمانة للأمن. فقد تنجح الدولة في تعزيز موقعها في ساحة معينة، لكنها تدفع في المقابل أثمانا أكبر في ساحات أخرى، سواء من خلال اضطراب التجارة، أو ارتفاع كلفة الحماية العسكرية، أو تراجع الثقة الإقليمية، أو اتساع دائرة الخصوم.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع التنافس السعودي ـ الإماراتي بوصفه صراعاً مجرداً على النفوذ الشخصي بين قيادتي البلدين، كما يميل المقال إلى الإيحاء. فثمة مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية حقيقية، تتصل بمستقبل الموانئ والممرات البحرية، ومواقع الاستثمار، وشبكات التجارة، وشكل النظام الإقليمي. وقد تتقاطع هذه المصالح في مرحلة، ثم تتعارض في مرحلة أخرى، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الخلافات الشخصية هي المحرك الحاسم لها.
إن التفسير الأكثر حصافة هو أن التنافس على القيادة الإقليمية، وتباين الأولويات الاستراتيجية، واختلاف تقدير المخاطر، عوامل يمكن أن تتفاعل فيما بينها، فيما تظل الأوزان النسبية لكل عامل بحاجة إلى أدلة مستقلة.


يمنح المقال الحالة السودانية موقعاً مركزياً في حجته، مستنداً إلى الاتهامات الموجهة للإمارات بشأن دعم قوات الدعم السريع، في مقابل الدعم السعودي للجيش السوداني، وإلى ما يترتب على ذلك من تعقيد مساعي إنهاء الحرب. وتستحق هذه القضية تدقيقا خاصا، لأن الحرب السودانية لم تعد نزاعا عسكريا على السلطة فحسب؛ بل تحولت إلى كارثة إنسانية واسعة، تهدد وحدة الدولة ومؤسساتها، وتدمر مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتدفع ملايين المدنيين إلى النزوح والجوع وانعدام الأمان.
ومن المنطقي أن يخضع أي دعم خارجي لطرف من أطراف الحرب للمساءلة، خصوصا عندما تكون هناك اتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين الاتهامات والأدلة المثبتة، وعدم اختزال مسؤولية الحرب في دولة خارجية واحدة أو في طرف سوداني واحد. فالحرب لها جذور داخلية تتصل بالصراع على السلطة، وبنية المؤسسات العسكرية، وأزمة الانتقال السياسي، وتفكك الثقة بين القوى السودانية. وقد أسهم التدخل الخارجي في توسيع إمكانات الأطراف المتحاربة وإطالة أمد الصراع، لكنه لم ينشئ جميع أسبابه من العدم.
كذلك لا يكفي وضع الدعم السعودي للجيش في مقابل الدعم الإماراتي المزعوم لقوات الدعم السريع، ثم استنتاج أن أحد التدخلين أقل ضررا بالضرورة. فالمعيار الحقيقي هو طبيعة الدعم، وأثره في حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي، والاستعداد للضغط على الأطراف من أجل وقف القتال وفتح الممرات الإنسانية وبدء تسوية سياسية قابلة للحياة. إن مسؤولية القوى الإقليمية لا تقاس بالخطاب الذي تعلنه، بل بما تفعله على الأرض، وبقدرتها على استخدام نفوذها لخفض العنف لا لإعادة إنتاجه.

يقدم مقال “التايم” اليمن مثالا آخر على التناقض بين الأهداف المعلنة والنتائج المحتملة. فقد جمع التهديد الحوثي السعودية والإمارات في مراحل سابقة، لكن اختلاف حساباتهما ومصالحهما أسهم في ظهور تباينات بشأن القوى المحلية ومستقبل اليمن وترتيبات السيطرة والنفوذ.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن مواجهة تهديد مشترك لا تضمن استمرار وحدة المصالح بين الحلفاء. فقد تتفق دولتان على ضرورة احتواء قوة مسلحة، ثم تختلفان حول من يحكم المناطق التي تخرج من سيطرتها، ومن يدير الموانئ، وما طبيعة الدولة التي ينبغي أن تنشأ بعد الحرب. لكن الدعوة إلى احتواء الحوثيين لا ينبغي أن تتحول إلى اختزال للأزمة اليمنية في هذه الجماعة وحدها. فالتسوية المستدامة تحتاج إلى معالجة الانقسام الداخلي، والتوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية تشمل القوى اليمنية المعنية، وضمان ألا يتحول اليمن إلى ساحة دائمة للتنافس بين الدول الإقليمية.

أما في القرن الإفريقي، فإن أهمية الموانئ والممرات البحرية تفسر جانبا من اهتمام القوى الخليجية بالمنطقة. فالموقع الجغرافي يربط التجارة الدولية بالطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، ويجعل الاستقرار هناك مصلحة تتجاوز حدود الدول الساحلية. لكن تحويل هذه الأهمية إلى سباق على الحلفاء والنفوذ قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة. فعندما تتداخل المنافسات الإقليمية مع الخلافات الحدودية والهشاشة المؤسسية والصراعات الداخلية، يمكن أن تصبح الموانئ أدوات للضغط السياسي، وأن تتحول التحالفات إلى عوامل تزيد التوتر بدلا من احتوائه.
ومع ذلك، فإن تحميل السعودية والإمارات وحدهما مسؤولية اضطرابات المنطقة سيكون تبسيطا لا يخدم الفهم. فالقرن الإفريقي يتأثر أيضا بحسابات دوله المحلية، وبمصالح قوى إقليمية ودولية أخرى، وبنزاعات قديمة تتصل بالحدود والمياه والهوية والسلطة. ومن ثم فإن دور الخليج عامل مهم في المعادلة، لكنه ليس المعادلة كلها.


من أكثر الجوانب أهمية في المقال ربطه بين الصراعات البرية وأمن الملاحة البحرية. فتهديد مضيق هرمز لا ينفصل عن أمن الخليج، مثلما أن اضطراب البحر الأحمر وباب المندب لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليهما. وتتداخل هذه الممرات في شبكة تجارية واستراتيجية واحدة، وإن اختلفت طبيعة المخاطر في كل منها. فتعطل أحدها قد يرفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، ويدفع السفن إلى تغيير مساراتها، ويزيد الضغوط على الاقتصادات المعتمدة على التجارة الخارجية.
لكن الربط بين هذه الأزمات لا يعني أن التنافس السعودي ـ الإماراتي هو سبب التهديدات التي تواجه مضيق هرمز، أو أن معالجة الخلافات في السودان واليمن ستؤدي تلقائيا إلى تحييد المخاطر الإيرانية. فلكل أزمة أسبابها وأطرافها وأدواتها، كما أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ومواقف القوى الدولية، وحسابات الأمن الإقليمي، كلها عوامل مستقلة ومتفاعلة في آن واحد.
ومع ذلك، فإن تعدد بؤر التوتر يفرض على دول الخليج النظر إلى الأمن باعتباره منظومة مترابطة. فلا معنى لاستثمار موارد ضخمة في حماية طرق الطاقة والتجارة، في الوقت الذي تسهم فيه سياسات أخرى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في زعزعة الاستقرار حول ممرات بحرية حيوية. ومن هنا، فإن الاختبار الاستراتيجي لا يتمثل في القدرة على توسيع الحضور، بل في القدرة على منع الأزمات من التحول إلى تهديدات متزامنة تستنزف الاقتصاد والدبلوماسية والقدرات العسكرية.

على الرغم من وجاهة عدد من تساؤلات المقال، فإن مقاربته تميل إلى التركيز على مسؤولية السعودية والإمارات عن تأجيج الصراعات، من دون أن تمنح العوامل الأخرى الوزن التحليلي الكافي. فالحروب لا تستمر بفعل التدخلات الخارجية وحدها؛ إذ تحتاج أيضا إلى أطراف محلية مستعدة للقتال، ومؤسسات عاجزة عن إدارة الخلافات، ومصالح اقتصادية تستفيد من استمرار الفوضى، وغياب تسويات سياسية مقبولة.
كما أن المطالبة بوقف دعم الأطراف المتحاربة، على أهميتها، لا تقدم وحدها تصورا كافيا لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. فالسؤال ليس كيف تتوقف الحرب فحسب، بل كيف تُمنع عودتها، وكيف تُعاد بناء المؤسسات، وكيف تُعالج المظالم، وكيف يجري تقليص نفوذ شبكات السلاح والاقتصاد الحربي.
ولا ينبغي كذلك إغفال مسؤولية القوى الدولية التي تتباين مواقفها بين الدعوة إلى الاستقرار وممارسة سياسات قد تزيد الاستقطاب، أو تتعامل مع الأزمات وفق مصالحها الخاصة. إن معيار النقد الموضوعي يقتضي تطبيق المبادئ نفسها على جميع المتدخلين، بصرف النظر عن تحالفاتهم أو موقعهم في موازين القوى.
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات السياسية. فالحديث عن دعم عسكري أو مالي لطرف متحارب يحتاج إلى أدلة موثوقة، كما أن إثبات وجود دعم لا يكفي وحده لتحديد مقدار مسؤوليته عن استمرار الحرب أو حجم أثره في نتائجها.
إن قوة التحليل لا تكمن في إطلاق الأحكام الأشد، بل في تحديد ما يمكن إثباته، وما يرجح وقوعه، وما يظل فرضية تحتاج إلى مزيد من الأدلة.

الخلاصة الأهم التي يمكن استخلاصها من المقال ليست أن على السعودية والإمارات التخلي عن مصالحهما الإقليمية، فهذا مطلب غير واقعي في عالم تتنافس فيه الدول على الأمن والموارد والممرات البحرية. وإنما أن عليهما إعادة النظر في الوسائل التي تستخدمانها لتحقيق تلك المصالح، وفي الكلفة التي تفرضها سياساتهما على الإقليم وعلى أمنهما الذاتي.
فالقوة التي لا تقترن برؤية سياسية للتسوية قد تنتج نفوذا مؤقتا، لكنها تترك وراءها خصومات مزمنة وأزمات يصعب احتواؤها. والتحالف الذي لا يقوم على وضوح المصالح وتنسيق الأهداف قد يتحول إلى مصدر للتنافس بين أعضائه. أما السيطرة على موقع جغرافي حيوي، فلا تضمن استثماره اقتصاديا ما لم تتوافر بيئة مستقرة ومؤسسات قادرة على حماية التجارة والاستثمار.
إن المطلوب هو الانتقال من منطق إدارة مناطق النفوذ إلى منطق بناء ترتيبات إقليمية تقلل دوافع الصراع، ومن توظيف الأطراف المحلية في المنافسات الخارجية إلى دعم تسويات سياسية تحافظ على سيادة الدول وتحد من تفككها.
وفي السودان، يعني ذلك ممارسة ضغط فعلي لوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم مسار سياسي سوداني لا يختزل البلاد في طرفي الصراع. وفي اليمن، يعني البحث عن تسوية تنهي الحرب وتتعامل مع التهديدات الأمنية من دون تجاهل التعدد السياسي والاجتماعي اليمني. وفي القرن الإفريقي، يعني التعاون في حماية الملاحة والتجارة، والامتناع عن تغذية التوترات التي تهدد أمن الدول ومؤسساتها. أما على المستوى الخليجي، فإن المصالح المتبادلة تفرض على الرياض وأبوظبي إدارة خلافاتهما بالحوار والتنسيق، لا بتركها تتسع عبر ساحات إقليمية هشة.





