ثقافة
كلمات لشاعرنا الكبير حميد سعيد بعد زيارتي له في المشفى بعمان


دخلتُ عليكَ
وكان البياضُ
يحيطُ بسريركَ
كأنَّ الغرفةَ
تستعيدُ من الضوء
معناه الأول.
قلتُ: كيف أنتَ؟
فابتسمتَ…
وكانت ابتسامتُكَ
أقوى من السؤال.
رأيتُكَ
هادئًا كمن يعرفُ
أنَّ العافيةَ
ليست جسدًا فقط،
وأنَّ للروحِ
أجنحةً
لا تراها أجهزةُ القياس.
يا صديقي…
أيُّها الشاعرُ
الذي لم يجعلْ من القصيدة
مرآةً للحياة،
بل جعلَ الحياةَ
تبحثُ عن وجهها
في القصيدة.
كم حملتَ بغدادَ
في حنجرةِ القصيدة،
وكم جعلتَ العراقَ
ذاكرةً لا تستسلمُ للنسيان،
وكم فتحتَ في اللغة
نوافذَ
تطلُّ منها الروحُ
على ما وراءَ الأشياء.
أنتَ…
حين تكتبُ
لا تنقلُ العالمَ
من مكانٍ إلى مكان،
بل تغيّرُ
موضعَ الأشياء
في وعينا.
ولهذا
كانت قصيدتُكَ
تجيءُ دائمًا
من جهةٍ لا نتوقعها.
يا صديقي،
رأيتُ في غرفتكَ
ذلك الشاعرَ القديمَ
الذي لم تُتعبهُ الرحلة،
رأيتُهُ
يضعُ على حافةِ السرير
سنواتِه كلَّها،
ثم ينهضُ من بينها
أكثرَ شبابًا
من الذاكرة.
كان جسدُكَ
يستريح،
لكنَّ عينيكَ
كانتا تواصلانِ السفر.
إلى أين؟
ربما إلى قصيدةٍ جديدة،
ربما إلى بغدادٍ
لم تكتملْ بعد،
ربما إلى طفولةٍ
تخبّئُ في جيبها
مفتاحَ المعنى،
وربما إلى ذلك المكان
الذي لا تصلُ إليه
إلا الروحُ
حين تتخففُ من أثقالها.
جلستُ إلى جواركَ
فشعرتُ أنَّ المشفى
ليس مكانًا للمرضى فقط،
بل محطةٌ
يتعلمُ فيها الإنسانُ
أنَّ الحياةَ
أوسعُ من الجسد.
وكانت معنوياتُكَ
تقولُ لي
دون أن تقول:
ما زال في الطريق
متّسعٌ لقصيدة.

يا أخي…
لقد طالَ بكَ السفرُ
في دروبِ الشعر،
لكنَّ القصيدةَ
ما زالت تعرفُ خطوتكَ،
وما زالتِ اللغةُ
تتركُ لكَ
مقعدًا في الصفِّ الأول
من دهشةِ العالم.
فاسترحْ قليلًا…
دعْ الجسدَ
يستعيدُ إيقاعَه،
ودعِ الروحَ
تجمعُ شظايا الضوء
من حولكَ،
فثمةَ صباحٌ
ينتظرُ نافذتَكَ،
وثمةَ قصيدةٌ
تبحثُ عن صوتكَ،
وثمةَ أصدقاءُ
يرفعونَ أيديهم
إلى السماءِ
لا خوفًا عليك،
بل حبًّا بك.
وأنا…
خرجتُ من عندكَ
وأنتَ في سريركَ،
لكنني شعرتُ
أنني أنا الذي
تلقيتُ درسًا في العافية.
فالعافيةُ
أن تظلَّ قادرًا
على أن ترى
في الأشياء
ما لا يراه الآخرون.
وأن تقولَ
للنهار:
تعالَ…
ففي القلبِ
متّسعٌ لضيائك.
يا حميد،
خذْ من الصباحِ
ما يكفيكَ من الضوء،
ومن الياسمينِ
قدرًا من عطره،
ومن دجلةَ
هدوءه،
ومن بغدادَ
ذلك السرَّ
الذي يجعلُ الحنينَ
نوعًا آخرَ من الحياة.
خذْ من الشعرِ
ما يشفي الروح،
ومن الأصدقاءِ
دفءَ حضورهم،
ومن اللهِ
طمأنينةً
تسري في العروق
كما يسري الماءُ
في أرضٍ عطشى.
ثم عدْ…
لا إلى ما كنتَ،
بل إلى ما ستكونُ.
فكلُّ صباحٍ
لا يعيدُنا إلى الأمس،
بل يفتحُ لنا
بابًا جديدًا
نحوَ أنفسنا.
عدْ يا صديقي…
فالقصيدةُ لم تقلْ كلمتَها الأخيرة،
واللغةُ ما زالت
تخبّئُ لكَ
دهشةً أخرى،
وبغدادُ
ما زالت تحتاجُ
إلى من يكتبُها
لا كما هي،
بل كما ينبغي
أن تكون.
عدْ…
فما أجملَ أن يعودَ الشاعرُ
إلى الحياة
وفي يدهِ
قصيدةٌ جديدة.
وما أجملَ أن نراكَ
واقفًا مرةً أخرى
بين أصدقائك،
فتقولُ لنا،
بذلك اليقينِ الهادئ
الذي رأيتُهُ في عينيكَ:
الحياةُ قصيدةٌ
كلما ظننا أنها اكتملتْ،
فتحتْ لنا
بيتًا جديدًا
من الضوء.
31/8/2026





