حميد سعيد..سلامتك أيها الشاعر الكبير…




حميد سعيد ليس شاعراً عابراً في خريطة الشعر العراقي. إنه واحد من الأصوات التي رافقت تحولات القصيدة العراقية والعربية عقوداً طويلة، وراكم تجربة شعرية وثقافية وصحفية امتدت منذ ستينيات القرن الماضي، وأصدر عدداً كبيراً من الدواوين، وظل حاضراً في المشهد العربي شاعراً وناقداً ومثقفاً. وقد عكست أعماله صلته العميقة بالعراق والذاكرة والمنفى والأسئلة الكبرى التي عاشها جيله.
ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً في سيرته أن الشاعر الذي ظل يحمل العراق في قصيدته، وجد نفسه بعيداً عن العراق في الجغرافيا. فالمنفى ليس دائماً اختياراً. هناك من يغادر وطنه بحثاً عن وطن آخر، وهناك من يغادر لأن الوطن لم يعد يتسع لصوته. وهناك من يخرج من البلاد بجواز سفر، وهناك من يُدفع إلى الخروج من حياته كلها، لأن السلطة لا تريد من المثقف أن يكون شاعراً، بل تريد منه أن يكون تابعاً.
وهنا يصبح السؤال موجعاً: لماذا كل هذا الحقد على شاعر؟ ماذا يخيفهم في قصيدة؟ماذا يفعل شاعر أعزل إلا أن يكتب؟إن أخطر ما في الشاعر أنه لا يحمل بندقية، لكنه يحمل ذاكرة. والذاكرة أخطر من البندقية حين تكون السلطة خائفة من الماضي والحاضر والمستقبل.
الشاعر لا يملك جيشاً، لكنه يستطيع أن يجعل جملة واحدة تعيش أكثر من حكومة. ولا يملك وزارة، لكنه يستطيع أن يترك اسماً في التاريخ لا تستطيع المناصب أن تتركه. ولا يملك سلطة على الناس، لكنه يستطيع أن يوقظ فيهم سؤالاً. ولهذا تخاف الأنظمة الصغيرة من المثقفين الكبار.
حميد سعيد اختار القصيدة ولم يختر المساومة
من المؤلم أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى عقوبة، وأن تتحول الثقافة إلى امتحان ولاء، وأن يصبح حق الإنسان في الاحتفاظ بأفكاره وموقفه سبباً لمحاصرته في رزقه أو معاملاته أو حقوقه. وإذا صحت الوقائع التي يتداولها أصدقاء حميد سعيد ومحبوه بشأن حرمانه من بعض حقوقه المالية، أو عدم تسوية بعض حقوقه الإدارية، أو التضييق عليه في وثائقه وهويته، فإن السؤال لا يعود سؤالاً عن شاعر بعينه، وإنما عن ثقافة سياسية وأخلاقية كاملة: هل يعاقَب الإنسان لأنه لم يساوم على أفكاره؟وهل تصبح الوطنية مشروطة بالموافقة؟ وهل يحتاج العراقي إلى إذن كي يحتفظ بكرامته؟إن اختلفنا مع حميد سعيد سياسياً أو فكرياً، فذلك حقنا. وإن اختلف هو معنا، فذلك حقه. لكن الاختلاف ليس جريمة، والشعر ليس وظيفة حكومية حتى يُمنح الشاعر مقابل ولائه، ولا يُحرم مقابل اختلافه.

تجارب عالمية
الدولة التي تحترم نفسها لا تمنح المثقف حقوقه لأنه يصفق لها، ولا تمنعها عنه لأنه يعارضها. فالحقوق لا تُقاس بدرجة القرب من السلطة. العالم عرف كيف يختلف مع كبار مبدعيه. التاريخ الثقافي العالمي مليء بأمثلة تؤكد أن اختلاف السلطة أو المجتمع مع المبدع لا ينبغي أن يتحول إلى رغبة في سحقه.
فولتير اختلف مع المؤسسة السياسية والدينية في فرنسا، وسُجن ونُفي، لكنه تحول لاحقاً إلى أحد الرموز الكبرى التي استند إليها تاريخ التنوير الأوروبي.وإميل زولا لم يكن شاعراً، لكنه وقف في وجه السلطة والرأي العام في قضية دريفوس، ودفع ثمن موقفه بالنفي والملاحقة، ثم أصبح موقفه علامةً على مسؤولية المثقف أمام الظلم.وجورج أورويل كتب ضد الشمولية وضد الاستبداد من مواقع فكرية مختلفة، ولم يكن مستعداً لتحويل الأدب إلى منشور دعائي. واليوم يُقرأ بوصفه واحداً من أهم الأصوات التي حذرت العالم من سحق الفرد تحت آلة السلطة.
وفي التاريخ العربي نفسه، كم من شاعر ومفكر اختلف مع السلطة، وبقيت قيمته الفكرية والأدبية بعد أن سقطت سلطات كثيرة؟ذلك لأن السلطة عابرة، أما الإبداع الحقيقي فله قدرة غريبة على البقاء.
قد تستطيع السلطة أن تمنع كتاباً. وقد تستطيع أن تغلق صحيفة. وقد تستطيع أن تحرم شاعراً من وظيفة.
لكنها لا تستطيع أن تمنع قصيدة من أن تصل إلى قارئ بعد عشرين عاماً أو خمسين عاماً أو قرن.
وهنا تكمن مأساة من يحاربون المثقف بسبب أفكاره: إنهم يستخدمون قوة اليوم لمحاربة إنسان، لكنهم يمنحونه من حيث لا يريدون قوة التاريخ. حميد سعيد… العراق الذي حمله معهأعرف أن الوطن بالنسبة إلى حميد سعيد ليس خارطةً على الجدار.
الوطن عند الشاعر ذاكرة، وأم، وشارع، ونخلة، وبغداد، ونهر، ووجوه أصدقاء، وأصوات طفولة، وخراب مدن، وغياب أحبة. ولهذا فإن المنفى الحقيقي ليس أن يعيش الشاعر خارج العراق. المنفى الحقيقي أن يعيش الإنسان في وطنه ولا يستطيع أن يكون نفسه.
أما حميد سعيد، فقد أخذ العراق معه إلى عمّان. وما أجمل أن يتحول المنفى، في حياة شاعر، إلى طريقة أخرى لحماية الوطن من النسيان. لقد عاش في الأردن منذ 2003، وهناك واصل حضوره الثقافي والشعري، واحتفت به الأوساط الثقافية الأردنية والعربية، ومن ذلك تكريمه بمناسبة فوزه بجائزة القدس عام 2012.
ثم جاء تكريم أكبر دلالة في السنوات الأخيرة، حين فاز بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في الشعر، تقديراً لمسيرته الشعرية الطويلة. وهذا وحده يقول شيئاً مهماً: أن القيمة الأدبية الحقيقية لا تحتاج إلى شهادة من سلطة سياسية، لأن الزمن نفسه يصبح في النهاية لجنة التحكيم الكبرى.
لا تجعلوا الأختلاف وثيقة عقاب
لا تحاربوا الشعرأيها الذين يختلفون مع حميد سعيد: اختلفوامعه. ناقشوه. انقدوا قصيدته.
جادلوه. قولوا إنكم لا توافقون على هذه الفكرة أو تلك. لكن لا تحاربوا الإنسان في رزقه.
ولا تجعلوا الهوية وثيقة عقاب. ولا تحولوا الخلاف الفكري إلى ثأر شخصي. فذلك لا يسيء إلى الشاعر وحده، بل يسيء إلى صورة العراق

العراق الذي أنجب الجواهري والسياب والبياتي ونازك الملائكة وعبد الرزاق عبد الواحد وبلند الحيدري ومئات الأصوات التي جعلت من بغداد واحدة من عواصم الشعر العربي، لا يليق به أن يخاف من شاعر. العراق لا يكبر بإسكات المختلفين. العراق يكبر حين يتسع للمختلفين. والأوطان العظيمة ليست تلك التي يتحدث أبناؤها بصوت واحد، وإنما تلك التي تسمح لهم بأن يختلفوا دون أن يفقدوا حقهم في الكرامة.
الآن… نريد فقط أن يعود حميد سعيدفي هذه اللحظة لا نريد أن نفتح دفاتر السياسة. ولا نريد أن نحاكم أحداً. ولا نريد أن نعيد إنتاج الخصومات القديمة. نريد فقط أن نقول للشاعر الكبير: سلامتك يا حميد سعيد.
سلامتك يا من حملت العراق في قصيدتك، وحملت القصيدة في غربتك.
سلامتك يا من أثبتت أن الشاعر قد يبتعد عن وطنه، لكن الوطن لا يستطيع أن يبتعد عن شعره.
سلامتك يا صاحب القصيدة التي عاشت أطول من الخصومات. سلامتك يا من بقيت واقفاً حين أراد البعض أن يجعلوا الاختلاف سقوطاً.
أنت الآن لا تحتاج إلى مدح، فقد قال الشعر ما يكفي عنك. ولا تحتاج إلى شهادات من أحد، فقد شهدت لك القصيدة، وشهدت لك العقود، وشهد لك القراء، وشهدت لك جوائز عربية كبيرة.
اليوم، وأنت في المستشفى، لا قيمة لكل تلك الخصومات. لا قيمة للمناصب. لا قيمة للأختام. لا قيمة للوثائق التي ضاقت بها بعض الأبواب. ما يبقى هو الإنسان. وما يبقى هو الشعر. وما يبقى هو الأثر. وما يبقى، في النهاية، أن هناك أجيالاً قرأت حميد سعيد، وأجيالاً ستقرأه، وستسأل ذات يوم: كيف كان يمكن لوطن أن يضيّق على شاعر، بينما كان العالم يفتح له أبواب التكريم؟.
والجواب سيكون بسيطاً ومؤلماً: لأن بعض السلطات لا تعرف قيمة الشعر إلا بعد أن يرحل الشاعر.





