المرشد في منطقة الغموض..منظومة الحكم الجديدة في إيران


“برقية”: تحليل إخباري

مجتبى خامنئي ليس علي خامنئي. فوالده حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود، وبنى حول منصبه شبكة واسعة من النفوذ السياسي والديني والأمني والاقتصادي، وكان يمتلك حضوراً عاماً جعله مركز النظام ومرجعيته النهائية. أما الابن فقد عاش معظم حياته السياسية خلف الستار، بعيداً عن الأضواء، ولم يراكم حضوراً جماهيرياً أو خطاباً سياسياً واضحاً يسمح بقياس شخصيته أو مشروعه بسهولة.
لكن هذا الغموض لا يعني بالضرورة ضعفاً. بل ربما يكون أحد مفاتيح فهم المرحلة الجديدة. فالمرشد، وفق الدستور الإيراني، هو رأس الدولة الفعلي وصاحب القرار الأعلى في القضايا الاستراتيجية والعسكرية والسياسة الخارجية. غير أن ممارسة هذه السلطة لا تتم في فراغ. فهناك الحرس الثوري، ومجلس الأمن القومي، ومكتب المرشد، والمؤسسات الأمنية والاستخبارية، إلى جانب شبكة رجال الدين والمؤسسات السياسية التي تشكل معاً البنية الحقيقية لصناعة القرار.
وهنا تبرز أهمية الحرس الثوري بصورة خاصة. فقد تحول خلال السنوات الماضية من قوة عسكرية لحماية النظام إلى أحد أهم مراكز القوة فيه، يمتلك نفوذاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً واسعاً. ومع الحروب والأزمات المتتالية، أصبح من الصعب اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى من دون أخذ مصالحه ورؤيته في الاعتبار.

لذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: من يحكم مجتبى خامنئي أم الحرس الثوري؟ بل: كيف يحكم الاثنان، وأين تتقاطع مصالحهما وأين يمكن أن تتعارض؟.
قد يكون مجتبى هو رأس الهرم الشرعي والدستوري، فيما تمثل المؤسسة العسكرية والأمنية القوة التي تملك أدوات تنفيذ القرار وحماية النظام. وبينهما تتحرك مؤسسات الدولة الأخرى، ومنها الرئاسة والحكومة والبرلمان والقضاء. وهذا يعني أن إيران قد تكون انتقلت من نموذج المرشد الذي يهيمن شخصياً على معظم مفاصل القرار إلى نموذج أكثر جماعية، تتوزع فيه القوة بين المرشد وشبكة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية.
ومن هذه الزاوية، يصبح غموض مجتبى نفسه ذا دلالة سياسية. فهو لا يحتاج، لكي يحكم، إلى أن يكون نسخة من أبيه. وربما تكون وظيفته الأساسية في المرحلة الراهنة هي الحفاظ على وحدة النظام ومنحه الشرعية الدينية والدستورية، بينما تتولى مراكز أخرى الجزء الأكبر من التفاصيل الأمنية والاستراتيجية.

لكن هذا النموذج يحمل في داخله نقطة ضعف خطيرة، كلما ازدادت قوة مراكز القرار المحيطة بالمرشد، أصبح السؤال عن صاحب الكلمة الأخيرة أكثر إلحاحاً، فإذا كان المرشد هو صاحب القرار النهائي نظرياً، بينما تتولى المؤسسة العسكرية والأمنية تحديد الخيارات الممكنة عملياً، فإن العلاقة بين الطرفين ستصبح العامل الأكثر أهمية في تحديد مستقبل الجمهورية الإسلامية.
ولذلك فإن مراقبة مجتبى في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على خطاباته أو ظهوره العلني، بل يجب أن تتجه إلى شيء أكثر دقة: من يحيط به؟ من يعين قادة الأجهزة؟ من يحدد السياسة العسكرية؟ من يتحكم في مجلس الأمن القومي؟ ومن يملك القدرة على فرض القرار عندما تختلف مراكز القوة؟
هذه الأسئلة قد تكشف حقيقة السلطة الإيرانية أكثر بكثير من عدد ظهورات المرشد الجديد أمام الكاميرات. والخلاصة أن إيران لا تبدو أمام مجرد انتقال عائلي للسلطة من أب إلى ابن، بل أمام اختبار لنموذج جديد للحكم. مجتبى خامنئي يقف في قمة الهرم، لكن الهرم نفسه تغير. فإيران التي ورثها لم تعد إيران التي حكمها والده. إنها دولة أكثر عسكرة، وأكثر اعتماداً على الأجهزة الأمنية، وأكثر ارتباطاً بموازين القوى داخل النظام.





