قراءة في “زخيخة” طه جزّاع على هامش “سيرة المكان” لباشلار..




(1)
لغة شعرية رائقة!
كتابٌ يستحق القراءة، لا لأنه يستعيد قرية اسمها “زخيخة” فقط، بل لأنه يوقظ في كل قارئ زخيختَه الخاصة؛ ذلك المكان الأول الذي ما زال يسكنه بصمت. وكلّما امتدَّ به العمر يستعيدُ ذكرياته، حكاياتِه، ويشمُّ فيه عبير الأيام الأوَل التي شكّلت “خامَة” وجوده العقلي، والروحي، والنفسي.
وما يؤنسُ القارئ أنّ لغة الكتاب هادئة وعميقة ومُشبَعة بحنين معرفيّ لا يستسلم للبكاء على الماضي، بل يحوّل الذاكرة إلى تأمل، والطفولة إلى معرفة، والمكان إلى نصّ مفتوح على الأسئلة الإنسانية الكبرى.
بين الفرات والذاكرة، وبين الطفولة والخيال، يكتب الدكتور طه جزاع كتابه الجديد “زخيخة”، رحلةً في المعنى العميق للمكان الأول، ذلك المكان الذي لا يغادر الإنسان مهما ابتعدت به المنافي والأعوام.
ينطلق المؤلف من جماليات غاستون باشلار ورؤيته للمكان بوصفه ذاكرةً وخيالاً ومأوى داخلياً، لكنه لا يقدّم تنظيراً فلسفياً جامداً، بل يختبر تلك الرؤية داخل التجربة العراقية والبيئة الفراتية، حيث يمتزج التأمل الفلسفي بالسرد الوجداني واللغة الشعرية الرائقة.
(2)
“الأمكنة تكتبنا”!!
وبرغم تأكيد الكاتب تأثره بجماليات المكان عند باشلار، فإنّ مزجه بين اللغة الأدبية، والشعور الفلسفي التأمّلي، أضفى المزيد من الجمال على النص، الذي تحسس فيه الدكتور طه جزاع، بيئته الأولى ماءاً، نخيلاً، غديراً، طيوراً، ضوءاً، وصمتاً، تلك المفردات المؤثرة التي تتشكل منها بيئة القرية، والتي تتحوّل عند الدكتور طه، رمزاً انسانياً عاماً، لا مجرّد مكان محلّي.

يقول الدكتور طه جزاع: “الأمكنة التي نشأنا فيها تكتبنا قبل أن نكتبها”… و”الكتابة هنا ليست استعادة، بل تحويل المكان إلى معنى، والذكرى إلى نص، والطفولة إلى معرفة”… وفي جملة عنواناته التي اختارها داخل النص ما يدهشنا، ويباغت رتابة حياتنا اليومية، فهو يطير من أيكةِ عنوان (المكان حين يصيرُ ذاكرة)، إلى أيكةٍ أجمل (من الجغرافيا إلى الخيال)، ويظل في تنقّله البهيج لينظر إلى (زخيخة بوصفها صورة مكانية)، وليسجّل في تاريخ نشأته الأولى أنّ (مضيف الجد مزبان الشوكة: هيبة المكان).
(3)
سوسيولوجيا المكان
وإذ أنجز كاتبنا المبدع، الصديق العزيز الدكتور طه جزاع نصّاً أدبياً جميلاً، يقترب كثيراً من سوسيولوجيا المكان، أي “اجتماعيّته”، لا بوصفه ماضياً مفقوداً، بل بكونِهِ “بنية شعورية” شكلت وعي الكاتب، لغته، نظرته إلى العالم. ونكاد نرنوا إلى “تأمّلاتِهِ” على أنّها “شعرية جديدة” في لغةٍ تحاكي “روحَ الصوفيّ” التي عرفنا بها “أبا ياسين” الذي استدعى الذاكرة عبر الحواس لا عبر السرد التاريخي، كما أفضى هو بذلك.
وإذ أجد في “زخيخة”، ما يمكن أنْ أسمّیه بعداً سوسيولوجياً وثقافياً جميلاً وآسراً، خاصة في حديثه عن:”مضيف الجد مزبان الشوكة،الذاكرة الفراتية، النواعير،الضيافة، وغيرها، أسجّل معترفاً تأثري بمقولة الكاتب “الأمكنة تكتبنا”، لذا أرخيتُ خيوط تأملاتي للنص، لأتركه يكتب “قراءتي” حتى ليختلطُ فيها ما قرأتُ بما كتبت، وأيضاً لما في النص من براعة التأثير الأدبي، الروحي، والفلسفي!. إنّ طه جزاع، بحق “كاتبٌ مقروءٌ”.





