ثقافة

“تغريد خارج السرب” في محاضرة عن “شعر اللهو والمجون” بالمجلس الثقافي العراقي”..  

     ضاقَ أبو الطيّب المتنبي ذرعاً، بعبدٍ أسودَ، اسمه “زيتون”، فزجره ببيت شعرٍ، قال فيه:

            سمّوكَ زيتوناً وما أنصفوا

            لو أنصفوا سمّوك زعرورا

     ويُنقلُ عن أبي نؤاس قوله في “الخمر”، و”ذمّ” أهل الدين، قوله:

            دعِ المساجد للُعبّاد تسكنها

            واقعد على دكّة الخمار واسقينا

            ما قال ربُّك ويلٌ للأولى شربوا

            بل قال ربُّك ويلٌ للمصلّينا

     الأمثلة، لا تُحصى، حتى مع شعراء أيامنا هذه. ويشكل شعراء اللهو والمجون في التراث العربي ظاهرة أدبية لافتة، إذ عبّروا عن جانب مختلف من الحياة العربية، بعيداً عن الفخر والحماسة والزهد. انصرف هؤلاء الشعراء إلى تصوير مجالس الشراب، والغناء، واللذة، والحب العابر، كاشفين عن نزعة إنسانية تحتفي بالمتعة وبالجسد، وأيضاً بالتمرد على القيود الاجتماعية. وقد ازدهر هذا اللون الشعري خاصة في العصر العباسي، حيث لمعت أسماء مثل أبو نواس الذي عُدّ أبرز رموزه. لم يكن شعر المجون مجرد دعوة للهو، بل كان أحياناً نقداً مبطناً للنفاق الاجتماعي، وتمرداً فنّياً على المألوف، مما جعله جزءاً مهماً من تنوع الشعر العربي وثرائه الثقافي.

      وغداً الثلاثاء، يستضيف “المجلس الثقافي العراقي”، المحامي المستشار محيي الدين محمد يونس، ليُلقي محاضرة “شديدة الطرافة” اختار لها عنوان “شعراء اللهو والمجون، والتوبة قبل المَنون”. ووعدَ  -وهو لواء حقوقي في الشرطة العراقية-  الدكتور عمار البكاء، المسؤول عن إدارة المحاضرة، بأنّ جلسة المحاضرة ستكون “مؤانسة فكرية” في شيء من تراثنا الذي رفع شعار “لا حياء في العلم” آخذين في الحسبان، عدم خدش الحياء العام، أو الإساءة الى الذائقة التي تتّسم بها محاضرات المجلس الثقافي العراقي، لاسيما أن هناك في العراق –برغم تعاساته التي لا تعد ولا تحصى- قانوناً يحظُر ما يسمى “المستوى الهابط الذي لن ينحدر كلامنا إلى سفوحه”!!!.

    والمنتظر من المستشار محيي الدين، أنه سيمرُّ في محاضرته على أغراض الشعر المختلفة، لكنه سيعكف في قصديته على ما يقوله شعراء معروفون في اللهو، والعبث، والخمر، والنساء، والنقد، والهجاء وغير ذلك. ثم أنّه سيتناول أيضاً شعر التوبة.

     وتؤثرُ عن أبي نؤاس أبيات جميلة في هذا المضمار قال فيها:

   يا ربِّ إنْ عظمتْ ذنوبي كثرة   فلقد علمتُ بأنّ عفوك أعظمُ

   إنْ كان لا يرجوك إلا محسن  فبمن يلوذ ويستجيرُ المجرمُ

   أدعوك ربِّ كما أمرتَ تضرّعاً   فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ

   ما لي إليك وسيلة إلا الرجا      وجميلُ عفوك ثم أنّي مسلمُ

  نتمنّى للسيد المستشار الذي ناهز الثمانين عاماً، التوفيق والسداد في محاضرته، ولرواد المجلس في دائرة بثّ الزووم المتلفزة، ولجماهيره المتابعة على اليوتيوب، المتعة، والفائدة، وإنعاش الذاكرة بشيء من الشعر الذي هو موسيقى القلوب!.     

مقالات ذات صلة