رأي

بين “صناعة الزعامة” و”بيع الأوهام”..قراءة نقدية في خطاب رئيس الوزراء العراقي

    إن أخطر ما في الخطاب السياسي ليس الكلام الاعتباطي وحده، بل القدرة على تغليف العجز المحتمل بلغة البطولة، وإلباس الوعود ثوب الالتزام الأخلاقي، وتحويل الحاكم من مسؤول مطالب بتقديم الحساب إلى شخصية تستمد شرعيتها من استعراض الشجاعة والتدين والوفاء.

      إذا كان رئيس الوزراء قد بنى مكانته الاقتصادية في عالم الأعمال، فإن السؤال ليس عن نجاحه التجاري في ذاته، بل عن طبيعة انتقاله من إدارة المصالح الخاصة إلى إدارة دولة تتشابك فيها الأزمات المالية والاجتماعية والسياسية. فالدولة ليست شركة، والمواطن ليس زبوناً، والموازنة العامة ليست رأسمالاً متاحاً لتحقيق طموحات الحاكم. إدارة الدولة تتطلب مؤسسات مستقلة، وتخطيطاً طويل الأمد، وشفافية في الإنفاق، وقدرة على توزيع الموارد بعدالة، لا مجرد إرادة شخصية ووعود كبيرة.

      وحين يتحدث رئيس الوزراء عن توزيع مليون قطعة أرض خلال السنين القليلة المقبلة بحسب وصفه، مكتملة بالماء والكهرباء والخدمات، إلى جانب المدن السكنية والمزارع المخصصة للمواطنين، فإنه لا يقدم وعداً عاديا، بل يضع أمام المجتمع اختباراً كبيراً لمصداقية حكومته. فالأرض ليست مجرد مساحة تُوزع، بل شبكة متكاملة من البنية التحتية والطرق والمياه والطاقة والصرف الصحي والمدارس والمراكز الصحية. وكل ذلك يحتاج إلى تمويل وتخطيط وأجهزة تنفيذية قادرة على تحويل المخططات إلى واقع.

     أين الدراسات الاقتصادية؟ وما الكلفة الإجمالية؟ وما مصادر التمويل؟ وكيف ستُنجز هذه المشاريع في ظل القيود المالية والتزامات الدولة القائمة؟. من دون إجابات تفصيلية وجداول زمنية ومخصصات معلنة، تبقى هذه التعهدات أقرب إلى الإعلان السياسي منها إلى البرنامج الحكومي المحسوب. وإذا لم تستند إلى دراسات قابلة للفحص، فإنها تخاطر بتحويل حاجة العراقيين إلى السكن والاستقرار إلى مادة للاستثمار السياسي في آمالهم. إن المواطن الذي ينتظر بيتا لا يحتاج إلى حاكم يجيد وصف البيت، بل إلى دولة تستطيع بناءه.  

   وقال الزيدي: (أنا لا أخاف أحداً ولا أخاف الموت)، و(من يرضي الناس يغضب رب الناس)، ثم استحضار وصية الأب بالعدل والعهد المرتبط بالإمام؛ عبارات تنقل الخطاب من المجال السياسي المباشر إلى المجال الأخلاقي والديني، حيث تتصل الكلمات بمشاعر راسخة في وجدان الجمهور.

     لكن استدعاء القيم ليس دليلاً على تجسيدها. فالشجاعة لا تُقاس بإعلان عدم الخوف، وإنما بالاستعداد لتحمل المسؤولية ومواجهة الحقائق. والعدل لا يثبت باستحضار وصية الأب، بل بضمان حقوق الناس، وعدم تحميل الفئات الأضعف كلفة القرارات الاقتصادية، وإخضاع أصحاب النفوذ للقانون.

      أما الدين، فلا ينبغي أن يتحول إلى غطاء معنوي يحجب مساءلة السلطة. فالمعيار الأخلاقي الحقيقي هو أن يخضع الحاكم للمحاسبة مثل غيره، لا أن يكتسب من مفرداته الدينية حصانة غير معلنة أمام النقد. ولذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان الرجل يتقن إلقاء هذه العبارات، بل ما إذا كانت قراراته تجسد المعاني التي يستحضرها.

      وتبلغ الأزمة جوهرها حين تتراجع القوة الشرائية للرواتب والتقاعد بفعل تغير سعر الصرف وارتفاع الأسعار. فالموظف والمتقاعد وذوو الدخل المحدود لا يتعاملون مع الأرقام باعتبارها مؤشرات مالية مجردة. إنهم يواجهون يومياً ارتفاع كلفة الغذاء والدواء والسكن وسائر متطلبات الحياة. وإذا اجتمع تراجع القيمة الفعلية للدخل مع ارتفاع أسعار السوق، فإن النتيجة ضغط مزدوج على الأسرة، قد يجعل الراتب الذي كان يكفيها بالكاد عاجزا عن تلبية احتياجاتها لمنتصف الشهر!.

      وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تعرض الحكومة مشروعات مستقبلية ضخمة. عليها أولاً أن تشرح للمواطن أسباب قراراتها، وأن تكشف آثارها، وأن تقدم إجراءات ملموسة لحماية أصحاب الدخول الثابتة. فليس من العدالة أن يُطلب من المواطن تحمل الخسائر في الحاضر، بينما يُطلب منه الاكتفاء بوعود الرفاه في المستقبل.

      وتثير طبيعة العلاقة بين رئيس الوزراء ومراكز النفوذ السياسي أسئلة عن استقلال قراره، ومدى قدرته على إدارة التوازنات من دون أن يتحول إلى واجهة لمصالح أطراف أخرى. غير أن الإجابة لا تُستخلص من الانطباعات، بل من تتبع القرارات، والجهات المستفيدة منها، والتغيرات التي تطرأ على مواقفه تحت ضغط القوى السياسية.

     كذلك يستحق التشابه المحتمل بين خطابه وبعض أساليب دونالد ترامب في صناعة صورة القائد القوي وإطلاق الوعود الواسعة دراسة مستقلة. فاستعراض الثقة، واستخدام العبارات الحاسمة، وتقديم مشروعات ضخمة قد تكون عناصر في استراتيجية اتصالية، لكنها لا تثبت وحدها اقتباس نموذج سياسي بعينه. المهم هو ما إذا كانت هذه اللغة تقود إلى سياسات قابلة للقياس، أم تحل محلها.

     لا يمكن الجزم بأن رئيس الوزراء يخدع الجمهور، أو أن مواقفه تحركها دوافع خفية، استنادا إلى تعبيرات وجهه أو انطباعات المشاهد وحدها. لكن من حق المجتمع أن يختبر خطابه بأقسى معايير المساءلة، وأن يرفض تحويل الأمل إلى بديل عن الإنجاز. فالزعامة لا تُصنع بإعلان الشجاعة، ولا باستدعاء الرموز الدينية، ولا بإغراق الناس في أرقام المشاريع. إنها تُبنى بالشفافية، وعدالة القرارات، وحماية القوة الشرائية، واحترام المال العام، والقدرة على الوفاء بالالتزامات.

       وإذا جاءت المقابلة قبيل احتجاجات على الأوضاع المعيشية، فإن توقيتها يطرح سؤالا سياسيا مشروعا: هل كانت محاولة لشرح الأزمة وتقديم حلول لها، أم لتخفيف الاحتقان عبر نقل النقاش من خسائر المواطنين الحالية إلى وعود مستقبلية؟.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق