هل ما زالت عبارة “عقبال 100 عام” ذات معنى؟




والحقيقة: إن المئة عام لم تعد سقفًا خياليًا للعمر، وتمنيات طول العمر للآخرين، كما كانت في القرن الماضي. فإن متوسط الأعمار ارتفع عالميًا، والطب الوقائي تطوّر، والأبحاث تتحدث عن بشر قد يعيشون 120–140 عامًا بصورة طبيعية. وهناك اليوم مئات الآلاف ممن تجاوزت أعمارهم المئة. بل إن بعض الدراسات الحديثة تشير إلى أن الحدّ البيولوجي للعمر البشري قد يصل إلى 150 عامًا إذا استمرت تقنيات إطالة العمر في التقدم. فعبارة “عقبال مئة عام” التي كانت تُقال كأمنية ذات معنى، أصبحت اليوم أقرب إلى “زلاطة” كما يقال، أي أمنية قصيرة مقارنة بما يُتوقع أن يعيشه الإنسان مستقبلاً.
وسرد الإمام البخاري في (التاريخ الكبير) باب (المُعَمَّرُونَ فوق المائة من خلال التاريخ) كما نشر موقع الجزيرة نت تحقيقا عن رجال ونساء تجاوزوا المائة وورد فيه انه يعيش في العالم اليوم أكثر من نصف مليون شخص تراوح أعمارهم بين 100 عام أو أكثر، ويتزايد متوسط العمر المتوقع في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، وتتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد المعمّرين في أرجاء المعمورة إلى أكثر من 3.7 ملايين شخص في عام 2050.
وتعد الولايات المتحدة موطنًا لـ97 ألفًا من المعمرين، وهي الدولة الأعلى عالميا من حيث عدد المعمرين. أما اليابان فلديها أعلى معدل من المعمرين، فالبالغون من العمر 100 سنة أو أكثر يشكلون 0.06% من عدد السكان، وفق ما ذكر “المنتدى الاقتصادي العالمي” في تقرير له.
ومن المتوقّع أن يشهد عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 100 عام أو أكثر زيادة كبيرة في العقود المقبلة. وبينما كان هناك أقل من 170 ألف معمّر في عام 2000، يُتوقع أن يرتفع العدد إلى أكثر من 20 مليون شخص بحلول عام 2100، لأن الناس على كوكب الأرض أصبحوا يعيشون حياة أطول بفضل تطوّر الخدمات والعناية الصحية الأولية، إذ يزداد متوسط العمر المتوقع في مختلف الدول. فماذا يقول المعمّرون عن أسلوب حياتهم وطريقة عيشهم؟ وكيف وصلوا إلى هذا العمر المتقدم؟ وما النصائح التي يوجّهونها لغيرهم من البشر؟
مؤمَّل العمر ومؤشّر التنمية البشرية
يعتمد مؤشّر التنمية البشرية (Human Development Index) على معطيات ثلاث رئيسية؛ متوسط أو مؤمَّل العمر، ومتوسط سنوات التعليم والدراسة، ومتوسط دخل الفرد، لتقييم وتصنيف الدول على حسب مدى تقدمها وتحقيقها للتنمية البشرية لأفرادها ومواطنيها. فكلما ارتفع مؤمَّل العمر، وعدد سنوات التعليم، ودخل الفرد، ارتفعت مكانة الدولة ودرجة تصنيفها بين دول العالم قاطبة.
ومنذ تأسيس هذا المؤشر الإحصائي في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، على يد الاقتصادي الباكستاني محبوب الحق، اعتمد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) على هذا المؤشر في إصدار تقرير التنمية البشرية السنوي. وعلى المنوال نفسه، أصدرت المنظمة الأممية منذ 2010 مؤشراً مماثلاً، يُعرف بمؤشر التنمية البشرية المعدل وفقا لعدم المساواة (Inequality-adjusted Human Development)، والذي يأخذ في الاعتبار لتقدير مستوى التنمية البشري، جميع مظاهر وأسباب عدم المساواة بين أفراد المجتمع الواحد.

الرقم لم يعد معيارًا. المعيار الحقيقي هو جودة الحياة، لا طولها. الإنسان اليوم قد يعيش 100 سنة، لكنه يعيشها وسط ضغوط، أو أمراض، أو عزلة، أو قلق. وقد يعيش 60 سنة، لكنها ممتلئة بالمعنى، والإنجاز، والراحة، والكرامة. لذلك أرى أن التهنئة ينبغي أن تتحول من “عقبال مئة عام” إلى تهنئة ذات مضمون إنساني. ما الذي يجب أن نقوله إذن؟
رأي الاجتماع في الموضوع:
هنا تتغير الفلسفة: لم يعد المهم كم يعيش الإنسان، بل كيف يعيش. فالعمر الطويل بلا صحة، أو بلا معنى، أو بلا كرامة… لا قيمة له. لذلك بدأت بعض الثقافات تقول: عقبال العمر السعيد، عقبال الصحة والراحة، عقبال ما يطيب لك العيش، وهذه أمنيات أعمق وأكثر واقعية من مجرد رقم.
المعيار الحقيقي هو جودة الحياة، لا طولها.
ومتوسط أو مؤمَّل العمر (Life Expectancy)، هو مصطلح يشير إلى عدد السنوات التي يُتوقع، أو يؤمَّل للمرء أن يحياها، عند ولادته، في بلد ما، خلال فترة زمنية محددة. فعلى سبيل المثال، في الوقت الحالي، يُتوقع للإناث اللاتي يولدن في هونج كونج أو اليابان، أن يعشن لفترة تقارب 87 عاما، بينما يتوقع للإناث اللاتي يولدن في دولة سوازيلاند بالجنوب الشرقي للقارة الأفريقية، أن يعشن لفترة تقل قليلا عن 49 عاما، حسب إحصائيات الأمم المتحدة. وهو ما لا يقتصر فقط على الإناث، بل يشمل الذكور أيضا، وبنفس الفارق تقريبا. كما لا يقتصر هذا الفارق البيّن على اليابان وسوازيلاند، بل يتكرر بين العديد من الدول مثل إيطاليا وسويسرا، واللتان يُتوقع لمن يولد فيهما أن يعيش لأكثر من ثلاثة عقود، مقارنة بمن سيولدون في عدد من الدول الأفريقية، وبأكثر من ربع قرن مقارنة بمن سيولدون في أفغانستان.
وتحظى هذه الاختلافات والتباينات بين متوسط أو مؤمَّل العمر، باهتمام شديد من العلماء والأطباء، ومن واضعي السياسات الصحية، كما تحظى بقدر مماثل من الاهتمام من قبل الاقتصاديين، وعلماء الاجتماع، بسبب العلاقة التبادلية بين مؤمَّل العمر وبين الاقتصاد. حيث تؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية في مؤمَّل العمر، كما يتأثر الناتج الاقتصادي ومستوى المعيشة بمؤمل عمر أفراد المجتمع.
ويتأثر أيضا مؤمل العمر لحد كبير، بما يُعرف بمحدّدات الحالة الصحية، مثل توفر مياه الشرب النظيفة، والغذاء، والمسكن، والتثقيف الصحي المتضمن المعلومات الأساسية، مع تحقيق العدالة في توزيع الخدمات الصحية، من خلال مكافحة التفرقة المبنية على أساس العرق، أو اللون، أو الديانة، أو الطائفة، أو النوع الاجتماعي، حيث تعتبر العدالة الصحية أحد أهم مكونات العدالة الاجتماعية، وفي حالة فقدانها تنتج الحالة المعروفة باللامساواة الصحية أو الاختلال المرضي (Inequality in disease).





