ثقافة

التحولات الأنطولوجية في شعر حميد سعيد

“برقية” : خاص

     من هذه المنطقة، ينطلق كتاب “الكيان الذي لا يعود – التحول الأنطولوجي في شعر حميد سعيد” للكاتبة والباحثة العراقية لهيب عبد الخالق، الصادر عن “دار دجلة ناشرون وموزعون” في عمّان، حيث تقترب الدراسة من شعر حميد سعيد عبر رؤية تنشغل بتحولات الزمن، والمكان، والكيانات داخل القصيدة، وما يطرأ عليها من تغيرات عميقة تجعلها تعود بصورة أخرى، مختلفة عمّا كانت عليه.

      وتستند الدراسة إلى نظرية “الازدواج الأنطولوجي للزمن – البرزخ الزمني والكيان الموازي”، التي تشتغل عليها الكاتبة في مشروعها الفلسفي والنقدي، حيث يتحرك الزمن داخل النص الشعري في أكثر من مستوى، وتتجاور اللحظات والأمكنة والظلال داخل فضاء مفتوح على التداخل والانشطار. ومن خلال هذا الأفق، تقرأ الدراسة مختارات منتقاة من ست مجموعات شعرية كتبها حميد سعيد في الاغتراب، كما وردت في كتاب “الأعمال الشعرية” الصادر عن مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية.

    وفي هذه النصوص، يتحول المنفى إلى أكثر من تجربة انتقال جغرافي. فالقصيدة تحتفظ بأثر المدن وهي تتآكل، وتحمل الذاكرة وهي تفقد استقرارها القديم، فيما يتحرك الوطن داخل اللغة كأنه صورة بعيدة تواصل عبورها بين الحضور والتلاشي. ولهذا، تبدو بغداد، والأندلس، وأور، وبابل، كأنها مدن تعيش في أكثر من زمن، وتواصل ظهورها داخل النص حتى وهي تفقد ملامحها الأولى.

ويتوزع الكتاب على سبعة فصول تتناول تحولات اللغة الشعرية، والذاكرة، والمنفى، والمكان، والزمن، وصورة الأنثى، والرؤيا الوجودية للشعر، ضمن قراءة تحاول الاقتراب من الكيفية التي تتغير بها الكيانات داخل القصيدة. فالمدينة، في شعر حميد سعيد، تتحول إلى كائن حيّ يحمل ذاكرته وخرابه معًا، فيما يتحرك الإنسان داخل النص كأنه يعبر عالمًا تتجاور داخله الأزمنة والانكسارات والظلال.

ويظهر الزمن، في هذه القراءة، كأحد أكثر العناصر كثافة داخل التجربة الشعرية. فالقصيدة لا تتحرك بين ماضٍ انتهى وحاضرٍ مكتمل، وإنما داخل زمن متشظٍ تتداخل فيه اللحظات، وتظل الذاكرة فيه مفتوحة على ما فقدته وما تواصل حمله في الوقت نفسه. ومن هنا، تتولد داخل النص حالة من التردد المستمر بين ما يظهر وما يتوارى، وبين ما يبقى وما يتغير.

ويمتد هذا التحول إلى صورة الأنثى، التي تتحرك داخل شعر حميد سعيد عبر حضور يتقاطع مع المدينة والجسد والذاكرة. فالمرأة تعبر القصيدة كأنها جزء من العالم المتشظي نفسه، تحمل الحنين والانكسار والرغبة في النجاة، فيما يتحول الجسد إلى مساحة تتجاور داخلها الأزمنة والفقد والانتظار.

كما تتوقف الدراسة عند حضور الأسطورة والتاريخ، حيث تواصل الشخصيات والمدن القديمة عبورها داخل القصيدة، حاملةً آثار الذاكرة والانهيار معًا. فالتاريخ، في هذه التجربة، يتحرك داخل الحاضر، والأسطورة تستمر كأنها ظلّ يعبر اللغة ويعيد تشكيل العالم من جديد.

وفي سياق موازٍ، تطرح الدراسة مفهوم “القصيدة الإيقاعية” كمصطلحٍ إجرائي تقترحه الكاتبة لقراءة التحولات الإيقاعية داخل شعر حميد سعيد، انطلاقًا من رؤية ترى الإيقاع حركة تتولد من توتر اللغة والزمن داخل النص، ومن الانقطاعات والبياضات والفراغات التي تتحرك داخل الجملة الشعرية. فالإيقاع، في هذه التجربة، يتشكل من حركة النص نفسه، ومن ارتجاج المعنى بين الامتلاء والانكسار، بحيث تتحول القصيدة إلى مجال يتداخل فيه الصوت والصمت، والحضور والغياب، ضمن إيقاع مفتوح على احتمالاته.

ومن خلال هذه الرؤية، يقترب الكتاب من شعر حميد سعيد باعتباره تجربة تكشف العالم وهو يفقد صوره القديمة، وتتابع تحولات الإنسان داخل زمن تتغير فيه الأمكنة والذكريات والوجوه باستمرار. فالقصيدة، هنا، تحتفظ بأثر الأشياء وهي تتبدل، وتمنح اللغة قدرة على التقاط ما يتسرب من العالم قبل اختفائه الكامل.

ولهذا، تبدو تجربة حميد سعيد، في هذه القراءة، مساحة يلتقي فيها الشعر بالفلسفة، والذاكرة بالزمن، والمنفى بأسئلة الوجود، داخل عالم يواصل عبوره بين الخراب والرغبة المستمرة في المعنى.

مقالات ذات صلة