فكر

  تهافت الفلاسفة..وتهافت التهافت.. محاضرة “مثيرة” في المجلس الثقافي العراقي

      كتاب حجّة الإسلام، أبي حامد الغزالي (1058م-1111م) “تهافت الفلاسفة”، وردّ الفيلسوف ابن رشد (1126م- 1198م) في كتابه “تهافت التهافت”، ظلّا برأي أستاذ الفلسفة، الدكتور طه جزاع مثار إعجاب، وتأثير، على مدى عصور متعاقبة، وتحوّلات فكرية عميقة في المجتمعات الشرقية.

    وقال في محاضرته “التهافت بين الغزالي وابن رشد”، ضمن استضافة “المجلس الثقافي العراقي”، الثلاثاء 22 تموز 2025، بحضور أساتذة وأكاديميين وكتاب من العراق ومن بلدان شتى عبر الزووم، قال: إننا نناقش جدلاً لاهوتياً فلسفياً مضى عليه أكثر من الف عام، بشأن الحوار الجدلي بين الغزالي وابن رشد، مع أن الرجلين لم يلتقيا.

    وأوضح أنه يريد أن يبسّط بعض الأمور بخصوص حجج الغزالي، وآراء ابن رشد، ولا يدافع عن أحدهما، مشيراً الى أنّ هناك من يخطّئون بتحميل الغزالي مسؤولية “ركن العقل العربي” جانباً والاتّجاه اتّجاهاً روحانياً. وبيّن أن الغزالي ليس أول من هاجم الفلاسفة، وإنما سبقه كثيرون، لكنه بدأ ينتقد الفلاسفة بشكل منهجي، وينتقد الفلسفة الأرسطية. وقبل كتابه تهافت الفلسفة. أصدر كتاب “مقاصد الفلاسفة”.

    وكشف الدكتور جزاع عن نسخة من كتاب “مقاصد الفلسفة” للغزالي صدرت قبل نحو ثمانين سنة، وجاء في مقدمتها، أنّ الغزالي نحّى الرياضيات جانباً، وأن النقاش يكاد يخص جوانب الإلهيات، والمنطقيات، والطبيعيات. وشدّد في حديثه على أنّ الغزالي نفع الفلسفة، وبسّط مضامينها للناس في معرض انتقاده للفلاسفة، كما جرى ذلك في كتابه “تهافت الفلاسفة”.  

    و أكد الدكتور جزاع أنّ الغزالي كفر الفلاسفة في مسألة خلق العالم، فهم يقولون أنّ العالم قديم قدمَ الله. ثم أنه تحدّث عن مسألتي العلم الكلي والعلم الجزئي، ذلك أنّ الفلاسفة يزعمون أن الله يعلم علم الكليات، لا الجزئيات، برغم أنهم ينظرون إلى ذلك على أنه تنزيه لله تعالى عن صغائر الجزئيات!. أما القضية الثالثة المختلف عليها فهي يوم النشور أو القيامة أو البعث، فالفلاسفة يرون أنّ البعث يتم روحياً، لا جسدياً.

    ويرى جزاع أنّ الغزالي بدا منسجماً مع نفسه كفقيه إسلامي، فهو يرفض أي نص يتنافر مع نصوص القرآن بخلق الله للعالم، وبذا فإنّ أي مسلم، سيعمد إلى تكفير الفلاسفة.ولفت أستاذ الفلسفة إلى أن الغزالي لم يكن غرضه تكفير الفلاسفة، إنما تأكيد أن الإلهيات لا يمكن أن يُبتّ بها إلا في ضوء النصوص الدينية.     

   ووصف “الخضّة الغزالية للفلسفة” طبقاً لرأيه، بأنها دقّت آخر مسمار في نعش الفلسفة في الشرق الروحاني، فيما بقي الغرب يميل الى العقل. وأوضح جزاع أن ردّ ابن رشد في كتابه “تهافت التهافت” فيه نوع من اللجوء الى عدم الإساءة الى الغزالي، مؤكداً أنّ للفلاسفة اشارات رمزية في النظر الى بعض القضايا الالهية.

   وتابع قوله: إنّ الأثر الذي تركه الغزالي أقوى من الأثر الذي تركه ابن رشد، وأن شروحات الغزالي طبقاً لمفكرين عديدين معاصرين منهم طه حسين، أصابت الفلسفة الشرقية بمقتل. ثم أنّ الغزالي نفسه، كان –كما ورد في مقدمة كتابه تهافت الفلاسفة- قد رأى طائفة من المتكلمين جهدوا في الرد على الفلاسفة ففرّطوا وتناقضوا وصاروا ظلمة على الفلاسفة لا نوراً عليهم، وبلاء لا دواء، “فلزمني أن أرد”، طبقاً لقول الغزالي الذي أكد قوله: “وأسلك في ذلك مسالك الانصاف، لا التعصب، لاني علمت يقيناً ان من لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والظلالة”. أي ان الغزالي أرادَ فقط ان ينقاش الفلاسفة وينتقدهم في قضايا اللاهوت الرئيسة وأنهم كفروا بذلك.

   وكان الدكتور عمار البكاء، قد أدار الندوة، وتحدث بشيء من الإيجاز عن سيرة الأستاذ الدكتور طه جزاع وتخصصاته الفلسفية الأكاديمية، فيما جرى في خاتمة المحاضرة نقاش جاد بين المحاضر وجلسائه في المجلس الثقافي العراقي. ويمكن متابعة التفاصيل على اليوتيوب.   

مقالات ذات صلة