العراق

أسئلة حزينة.. في غياب (عاشق الأقمار الثلاثة)!!  

       أغلب الظن أنه لم يكن في (مزاجِ) قديمٍ عرفته به في تلك الأيام الخوالي، يتيح له الرد على أسئلة حزينة ستراودني ومئات المعارف والمحبين الذين فجعوا بانتقالةٍ أخيرة انتزعته من أشياء كثيرة في حياته الزاخرة بالألوان والأشعار والعلوم والذكريات، لكنّ أولها بالتأكيد بناته الثلاث ..(أقماره) اللواتي حرص على أنْ يقودهن الى مسيرة تشبه تلك التي عاشها الأب.

     صورهن ظاهرة في يومياته، جنباً الى جنب مع رجل أحرق المراحل فصار (الدكتور واثق صادق) الذي يناقش الرسائل الجامعية ويشرف على خطوات أصحابها ويحضر الندوات ويتابع الأبحاث ويهتم بها.

أشياء كثيرة لم اعرفها عنه طيلة سنوات، وقد سعدت وتفاجأت في آن عندما (اكتشفتُ) ما آلت اليه الأمور مع شاب انقطعت أخباره مذ تركته في بغداد قبل نحو عشرين عاماً في مكان جمعنا بين العامين 2003 _ 2006، كنت اتولى خلالها مهام اول مدير تحرير في جريدتي (الصباح) ثم (الصباح الجديد)، قبل أنْ أهاجر.

   يومها، جاءني الراحل اسماعيل زاير رئيس التحرير بصحبة شاب أسمر مليء بالحيوية قائلا:

   (اقدم لك الأخ واثق.. دير بالك عليه..)

   يأتي الزميل المستجد بعد انتهاء دوامه الرسمي في دائرته الحكومية كل يوم، مشحونا بحركة دؤوب وحرص واضح على الإفادة بشكل جاد من كل الاجواء التي يعيشها معنا ويملؤها عملا ومرحا ودخاناً!

      يفتح علبة (الكَلواز) الحمراء ويقدم لي سيجارة: (تفضل.. تريد “كينت”؟) فلا أقوى على منع نفسي من ضحكة يومية يشاركني بها وباقي الزملاء، (غسلاً) لمتاعب نهار وجزء من ليل أمضيناهما في تحرير الصفحات ومراجعتها وتدقيقها قبل دفعها الى المونتاج ثم الطبع.

     وخلال تلك السنوات الثلاث وجدت فيه مواهب كثيرة، ولاحظت اهتماما لافتا منه في معالجة التقارير الاقتصادية. قلت له: اتوقع أن تصبح متخصصاً بهذا الجانب في وقت ليس بالبعيد. وذات ظهيرة كنا خلالها في استراحة مستقطعة بعد الغداء، انتبهتُ اليه يختلس نظرات سريعة إلى حيث أجلس، ويمشي بقلم رصاص على ورقة ملساء أمامه، لافاجأ بوجهي مطبوعا عل (لوحة)، ضيعتها أيام مضطربة موحشة، لكنها سلكت طريقا اخذها الى القلب.

     وفي الأسابيع الاخيرة التي سبقت تركي للجريدة، فاجأني والراحل حسن العاني بنسختين من ديوان شعري له أظنه الأول، كتب عليهما الاهداء بخطه المميز، ما جعل العاني يصفه بـ(الشاعر الجميل) فور الانتهاء من تصفحه.

     بالقرب منا، وعلى مبعدة خطوات، كان يجلس زميلنا الصحفي والشاعر والمترجم حسين حسن، خالُهُ الذي يعتني به كثيرا، وعليهما ينطبق المثل القائل: (ثلثين الولد ع الخال)، الذي غادر طاولته ليشاركنا الجلسة والضحكات، وهو امر نادر الحصول مع حسين الهادئ البسيط المنكب على العمل بصمت.

     وحسين نفسه، كان السبب وراء عودة الاتصال بيني وبين واثق بعد قطيعة عقدين، عندما قرأ رثائي برحيل صديقي العزيز (ابو رشا) في آذار 2024.، فأعاد نشره على صفحته مع مقدمة (يشكرني) فيها على ما كتبته. وها انا اليوم اسكب حزني في سطور قليلة بحق انسان تبقى صورته حيَّةً قي ذاكرةٍ مِدادها صحبة أولئك العراقيين الطيبين الذين فارقتهم مكرها بعد عقود من الأحلام المؤجلة.

     وما زلت حتى اللحظة اتذكر تفاصيل الساعات الأخيرة مع واثق الذي غمرني بأسئلة كثيرة عما يريد أنْ يكتبه عن اليابان التي أوفده اليها اسماعيل زاير مؤخراً. قلت له: أية مشاهدات وانطباعات يكتبها صحفي مثلك عن (بلاد الساموراي) بشكل صادق وبأسلوب مشوق، ستكون مادة مقروءة بالتاكيد.

وقد انجز (الواثق الصادق) مهمته عل خير وجه، قبل أنْ أودعه واذهب الى حزم حقائبي استعداداً للرحيل..

مقالات ذات صلة