فكر

عشرة لقاءات مع صدام حسين[2]: “معه على منصّة واحدة”..

حتَّى بعد انقضاءِ سنة على انقلاب السابع عشر من تموز كنا نتحدث مع أو عن صدام دون أية مسمّياتٍ أو ألقاب أو مُطيبات. كان يكفينا أن نناديه برفيق صدام أو نناديه في الغالب بالرفيق (أبو عدي) ليجري الحديث معه بعدها بسلاسة, وربما احتاج الواحد منا إلى عام حتى يناديه بأستاذ صدام أو الأستاذ (أبو عدي), إذ لم يكن المدُّ قد تصاعد بعد ليجلب معه عشرات الألوف من المتملِّقين الذي صاروا يتسابقون على مسميات تفخيمه وتعظيمه.

     وقطعاً فإنَّ ذلك لم يكن قد حصل بمعزلٍ عن سلوكٍ وغاياتٍ لمسؤولين حزبيين وحكوميين كانوا جعلوا ذلك نهجاً نتيجة لمصالحهم الذاتية التي وجدت نفسها من خلال دائرة تَشكَّلَ نصفاها من رئيسٍ يبحث عن إرضاء الذات وأصحاب وجدوا مصلحتهم من خلال إرضائها.

    هو نفسه في البداية لم يكن يطمع أكثر من ذلك, ليس لأنه كان متواضعاً جداً أوغير طامع بعبارات التفخيم, وإنما انتظاراً منه ليومٍ ظَنّه ليس بالبعيد, والدليل أن منجم الألقاب التفخيمية والتعظيمية كان قد فتح على مصراعيه بعد أن تسيَّد الرجل السلطة وأصبح سيل الألقاب نزيفاً, حتى انتهى بالرجل وقد حمل مائة وعشرين لقباً تسبق اسمه أو تليه. وهكذا تخطت أسماؤه أسماء الله الحسنى المتعارف عليها بين المسلمين وذلك بتسعةٍ وتسعينَ اسماً.

    ولم يكن ذلك مستغرباً فالحاكم الذي كان يحكم على من يسيء لاسمه بالإعدام, في بلد إسلامي يحكم فيه قانونه على من يسيء لإسم الله بست سنوات, لا بد أن تصير أسماء حاكمه الحسنى أكثر من أسماء ربِّه.

    ولقد بقينا فترة ليست بالقصيرة من دون مقر يؤوي اتحادنا الوطني لطلبة العراق, وحينما رفعنا لوزير الداخلية صالح مهدي عماش طلباً للحصول على المقر أخبرنا بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً, إذ كان عبدالرزاق النايف رئيس الوزراء وقتها كابساً على أنفاسهم ومراقباً لتحركاتهم.

     ولا أدري فكرة من كانت؟، أن نستولي على مقر الاتحاد الإشتراكي الذي كان تابعاً لنظام عارف وهو التنظيم السياسي الذي أريد منه أن يكون الوعاء الذي تذوب فيه جميع الأحزاب العراقية. وذلك هو الذي حصل, إذ بعد فترة على إزاحة النايف في الثلاثين من تموز قفز بعضنا من فوق سياج البيت الكبير في الوزيرية وتمكن من فتح الأبواب الداخلية للدار وتسللنا إلى الداخل لنتوزع غرفه, وصارت من نصيبي غرفة صغيرة أدير منها لجنة الثقافة والإعلام إلى الجوار من غرفة عبدالغني عبدالغفوز المسؤول عن لجنة الثانويات, والذي سيصير بعد عقدين عضواً في القيادة القطرية للحزب ووزيراً للإعلام وأيضاً وزيراً للشباب.

    وقد عمل ناظم كزار معنا أكثر من سنة سكرتيراً للاتحاد قبل أن يصير مديراً للأمن العام وشاركه في ذلك صباح مرزا الذي سيتعين في الفترة نفسها مرافقاً أقدم لصدام حسين بعد أن مُنح رتبة ملازم ثانٍ. والإثنان كانا يلتزمان بصمت عجيب, بينما عُرف عنها أنهما كانا من أكثر البعثيين صِدامية وإقداماً. أما ناظم كزار فعرف عنه أيضاً خشونة صوته وحدة نبراته, ويشبهه في ذلك صوت الدكتور سعدون حمادي الشخصية الحزبية والرسمية والفكرية المعروفة ثم يليهما صوت محمد دبدب المسؤول عن العلاقات الداخلية للإتحاد والذي سيصير بعد دورتين رئيسأ له.

    ذات مساء حضر صدام إلى المقر بصحبة عزة الدوري. وقتها كان في المقر عضوا المكتب المركزي الطلابي زهير يحيى وناظم كزار وبعض طلبة بعثيين لم يكن عددهم يتجاوز العشرين, أما باقي أعضاء المكتب فلم يكونوا موجودين في ذلك المساء. قبلها ولمرتين على ما أتذكر ارتضى صدام أن يجلس في ندوة لم يكن يزيد عدد الحاضرين فيها على أكثر من خمسة أو ستة طلاب. وكالعادة كان الرجل أنيقاً، وقد ساهمت أناقته وطوله ووسامته وجسمه الرياضي واعتباره لنفسه وثقته بها وثقافته السياسية وشجاعته وخبرته في ادارة الحوار، ساهمت كلها في بناء كاريزماه القيادية التي كانت حاضرة بيننا حتى بغيابه.

     هذه المرة وقبل أن تبدأ الندوة طلب مني مديرها زهير يحيى, الذي كنت أسميه عبدالخالق الثاني لما كان يتميز به من إلتزام أخلاقي عالٍ وتواضع جم, طلب مني أن ألتحق بهم في صدارة الندوة بوصفي عضواً في قيادة الإتحاد فجلست بين ناظم كزار وعزة الدوري في حين جلس صدام بين كزار إلى يمينه وزهير يحيى إلى يساره.

     لم يكن وقت الملايين الراقصة قد حان لذلك كان صدام حريصاً على أن لا يضيع لحظة للتواجد بين جماهيره المؤلفة حينها من الطلبة وخاصة من الحزبيين الذين يجدهم أصلاً في مقر الإتحاد. ولأنني كنت اسعى حينها لإصدار مجلة بإسم (صوت الطلبة) كبديل للصفحة الطلابية الاسبوعية التي كانت تصدر برفقة صحيفة الثورة الناطقة بإسم الحزب, والذي كان يترأس تحريرها كريم شنتاف فقد رجوت كزار قبل أن تبدأ الندوة أن يرجو من صدام التوسط لنقل إحدى المعلمات المرشحات للعمل في المجلة تحت التاسيس من بعقوبة إلى بغداد فأشار عليّ كزار أن أتحدث عن ذلك مع عزة الدوري الذي أجابني بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً وفضل أن أطلب ذلك من صدام شخصياً بعد انقضاء الندوة.وقد فعلتُ ذلك كما وفعل صدام.

مقالات ذات صلة