علاقة الفساد بـ”الدين” وبـ”السياسة”..




الحقيقة أن السياسة, كما هو شأن أي نشاط حياتي آخر, تتوسخ حينما يمارسها الدجالون واللصوص والمنحرفون. إذ لا شيء يمكن أنْ يبقى نقياً صافياً صادقاً حينما يقترب منه هؤلاء.

كل رجالات الدولة العراقية السابقين, حتى مع وجود تضاداتهم السياسية القاتلة, كانوا مثلاً للأخلاق حينما يتأسس تعريفها على الصدق والأمانة والنزاهة, ولنتوقف أمام نماذج منها لكي نتأكد من ذلك. خذوا الملوك الثلاثة الذين ما تعدت مجموعة رواتبهم, عند حسابها طيلة عمر النظام الملكي, الراتب الشهري لأي مسؤول سياسي من مسؤولي دولة إسلامنا السياسي ذات الدستور الذي يستمد تشريعاته من الإسلام
يا لعجبي من أولئك الملوك الذين لم يعرف عنهم أنهم صاموا أو صلوا ومع ذلك فهم ذهبوا إلى ربهم بدون رصيد بنكوتي ولم يتركوا عقارا في لندن أو دبي. نوري السعيد يطلب منه وزير المالية ثمن ستة عشر فنجانا كان قد اشتراها لمكتبه على اعتبار أنها حاجات شخصية, وقد عرف أنه كان يشرب الخمرة ولم يشاهده أحد وهو يخرج من جامع أو يسمعه يكذب على الله.
عبدالكريم قاسم وجدوا في جيبه بضعة دراهم من راتبه الشخصي الذي اعتاد أن يوزع نصفه على عمال الأفران, وتركنا ولم نره يوماً بغير ملابسه الخشنة, وعرف عنه أنه لم يكن يملك دارا حينما استشهد.

عبدالسلام عارف لم يترك ديناراً واحداً في مصرف عراقي أو أجنبي. واضطرت إحدى بنات أخيه ,عبدالرحمن عارف, الذي خلفه في الرئاسة أن تطلب مساعدة مالية أعلنت حاجتها إليها على صفحات مجلة الدستور التي كانت تصدر من لندن والسبب أنها لم تكن تملك ما يكفي لعلاج ابنتها المريضة جدا.
رجب عبدالمجيد نائب رئيس الوزراء في عهد الرئيس عبدالرحمن عارف لم يكن يملك غير سيارة نصر كان اشتراها بمبلغ سبعمائة وخمسين دينار وكان غالبا ما يتأخر عن موعده معي لمعالجة أسنانه بسبب العطل المزمن لتلك السيارة . وكنت أشاهد ابن الناصرية ناجي طالب وهو في تلك السيارة إلى جانب صديقه الصدوق ابن عانة وكأنهما سمكتان صغيرتان في علبة سردين, وذلك قبل أن يدخل علينا الدين السياسي الطائفي ليخرب علينا حتى مفاهيم الصداقة.

عبدالخالق السامرائي ذهب إلى بارئه وهو لا يملك سوى قميصين وحقيبة جلدية صغيرة سوداء كان يضع بها لفة طعامه أما البكر فقد كان مثل سابقيه, وحري بنا أن نضع تجربة صدام حسين جانبا لأنها تماما خارج السياق, وليس من العدل أن نسقطها سواء على عالم السياسة أو على عالم الدين, فهي بحد ذاتها عالم خاص وقائم بذاته والأصح أن يفسر هذا العالم نفسه بنفسه.
ويأتي لك بعد ذلك بعض المتفيقهين ليقول لك إنّ عالم السياسة هو بطبيعته عالم وسخ وأن الطريقة الصحيحة لإنقاذ الدين هو إبعادها عنه بينما أكدت كل الوقائع أن ذلك ليس صحيحاً بالمرة, وأن الطرفين سيكونان في حرز أمين حينما يبتعدان عن بعض, والعلمانية هي من يتكفل بذلك حينما تؤكد على أن الدين والسياسة هما عالمان مختلفان لا يفسدان إلا بالتمازج, وأن الفساد هنا لا علاقة له بالتكوين الذاتي لأحدهما بل بالمركب الذي ينتج من تفاعل مكونين لا علاقة عضوية لأحدهما مع الآخر.





