فكر

الفساد والدين والسياسة..”المشكلة” في “المُركّب” من تفاعلِ مكوّنين!!

     لماذا صار علينا أنْ نصدّق أنَّ السياسة هي بطبيعتها عبارة عن نفاقٍ وانحراف ودجل وكذب وتزوير، وأنَّ الأمرَ لا علاقة له بنوع الرجال والمناهج التي تحترف السياسة، فتنحرف بها أهدافاً وممارساتٍ؟!.

    الحقيقة أنَّ السياسة, كما هو شأنُ أيِّ نشاط حياتي آخر, تتوسَّخ حينما يمارسها الدجالون واللصوص والمنحرفون، إذ لا شيءَ يمكن أنْ يبقى نقياً صافياً صادقاً حينما يقتربُ منه هؤلاء.

     إنَّ فسادَ نصفِ قرن من الدولة العراقية المدنية التي كانت أسِّسَت في العشرينات من القرن الماضي يتغلّب عليه فسادُ يوم واحدٍ من عمر دولة الإسلام السياسي الطائفي الحالية التي أسِّسَت بعد 2003.

    كلُّ رجالاتِ الدولة العراقية السابقين, حتى مع وجود تضادّاتِهم السياسية القاتلة, كانوا مثلاً للأخلاق حينما يتأسس تعريفها على الصدق والأمانة والنزاهة, ولنتوقف أمام نماذج منها لكي نتأكد من ذلك. خذوا الملوك الثلاثة الذين لم يتعدَّ مجموع رواتبهم, عند حسابها طيلة عمر النظام الملكي, الراتب الشهري مع المخصصات لأيِّ مسؤول سياسي من مسؤولي دولة إسلامنا السياسي ذات الدستور الذي يستمد تشريعاته من الإسلام. وبالتأكيد فهو لن يتعدى مقدار ما أخذه لاجئٌ من لاجئي “رفحا” كبدل نضال وتضحية !!

      يا لعجبي من أولئك الملوك الذين لم يُعرَفْ عنهم أنهم صاموا أو صلوا، ومع ذلك فهم ذهبوا إلى ربهم من دون رصيد “بنكوتي” ولم يتركوا عقاراً في لندن أو دبي!.

   نوري السعيد يطلب منه وزير المالية ثمن ستة عشر فنجاناً كان قد اشتراها لمكتبه على اعتبار أنها حاجات شخصية, وقد عُرف أنه كان يشرب الخمرة ولم يشاهده أحد وهو يخرج من جامع أو يسمعه يكذب على الله.

    عبدالكريم قاسم وجدوا في جيبه بضعة دراهم من راتبه الشخصي الذي اعتاد أنْ يوزّع نصفَه على عمال الأفران, وتركنا ولم نرَه يوماً بغير ملابسه الخشنة, وعرف عنه أنه لم يكن يملك داراً حينما استُشهِد.      

      عبدالسلام عارف لم يترك ديناراً واحداً في مصرف عراقي أو أجنبي, واضْطُرَت إحدى بنات أخيه ,عبدالرحمن عارف, الذي خَلَفَه في الرئاسة أن تطلب مساعدة مالية أعلنت حاجتها إليها على صفحات مجلة الدستور التي كانت تصدر من لندن والسبب أنها لم تكن تملك ما يكفي لعلاج ابنتها المريضة جداً.

     رجب عبدالمجيد نائب رئيس الوزراء في عهد الرئيس عبدالرحمن عارف لم يكن يملك غير سيارة نصر كان اشتراها بمبلغ سبعمائة وخمسة وعشرين ديناراً، وكان غالباً ما يتأخر عن موعده معي لمعالجة أسنانه بسبب العطل المزمن لتلك السيارة.

     عبدالخالق السامرائي ذهب إلى بارئه وهو لا يملك رصيداً في بنك, بل كل ما كان يملكه هو حقيبة جلدية صغيرة سوداء كان يضع بها لفّة طعامه والكتاب الذي كان ينوي قراءته ليلاً. أما البكر فقد كان مثل سابقيه وما زال أبناؤه يعيشون من عرق جبينهم.

     إن الطرفين, الدين والسياسة, سيكونان في حرز أمين حينما يبتعدان عن بعضهما البعض, والعلمانية هي من يتكفّل بذلك حينما تؤكد على أن الدين والسياسة هما عالَمان مختلفان لا يَفسُدان إلا بالتمازج, وأنّ الفساد هنا لا علاقة له بالتكوين الذاتي لأحدهما بل بالمُركّب الذي يَنتُج من تفاعل مكونين لا علاقةَ عضويةً لأحدهما مع الآخر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق